سوريا في قبضة الصقيع: برودة الطقس وجمود الروح في زمن اللايقين


هذا الخبر بعنوان "ما يحمله الصقيع لسوريا" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم نضال الخضري: إن البرد الذي يجتاح سوريا ليس ظاهرة مستجدة، بل هو جزء أصيل من بيئتها الخاصة، وقد أسهم عبر التاريخ في تشكيل ثقافة الشتاء لدى السوريين. إلا أن ما يميز موجة الصقيع الراهنة هو امتزاجها بـ"برود" ثقافي وسياسي يلف المجتمع، وسط حالة من اللايقين تجاه مستقبل يتقلب ويتغير في كل لحظة.
لا يقتصر تأثير الصقيع الحالي على القسوة الناتجة عن الواقع الاقتصادي فحسب، بل يتغلغل في نسيج المجتمع، محاصراً إياه في دائرة مغلقة من البرد والشكوك، وربما اليأس من أن مصير سوريا سيبقى رهناً لرغبات الدول الإقليمية. فالـ"منخفض" هنا لا يمثل مجرد طقس بارد، بل يعكس حالة من الجمود في الرؤية والتصور للمساحات السورية التي تُغلق بفعل المعارك وحملات الكراهية المتفشية في وسائل التواصل الاجتماعي.
إن صقيع سوريا اليوم لا يُقاس بدرجات الحرارة، بل بمستوى الانكماش الداخلي الذي أصاب الإنسان. فالمنازل التي فقدت دفئها منذ سنوات، والمواقد التي تحولت إلى رماد، هي صورة مكثفة لمجتمع يبحث عن دفء رمزي قبل أن يبحث عن الوقود المادي.
ما يضاعف من قسوة هذا الواقع هو أن هذا البرد لم يعد عابراً؛ بل يمتد في النفوس كما يمتد في الجبال، ليتحول إلى استعارة لبلد يعيش فصلاً طويلاً من الجفاف السياسي والروحي. وفي مثل هذا المناخ، تتراجع القدرة على الحلم، فيصبح الحديث عن إعادة الإعمار أو العودة الطوعية أو الحل السياسي أشبه بالحديث عن ربيع بعيد لا يأتي، فالإرهاق من طول الانتظار قد حمل معه شتاء الطقس وشتاء السياسة.
لقد أصبحت البرودة مزاجاً عاماً، ففقدت المفردات الاجتماعية دفئها، ولم تعد صورة الجيران كما كانت، ولا اللقاءات العائلية تبعث على البهجة. فالعزلة التي فرضها "الصقيع الثقافي" قد نحتت ملامح جديدة لعلاقات الناس، ووسائل التواصل الاجتماعي التي كان يُفترض أن تكون وسيلة وصل بين السوريين، تحولت إلى مساحة لتفريغ الغضب وتكريس الانقسام، مما زاد من حدة "صقيع الكلمة" والغربة بين أبناء البلد الواحد.
لطالما كان الشتاء في سوريا موسم الحكايات والدفء العائلي، واليوم هو موسم الأسئلة الكبرى: كيف يمكن لبلد يعيش "صقيع السياسة" أن يجد طريقه إلى التوازن؟ وهل ما زال في الأفق متسع لفجر يذيب هذا الجليد الطويل؟ فما يحمله الصقيع ليس فقط برودة الطقس، بل هو اختبار جديد لقدرة السوريين على الصمود في وجه واقع يزداد قسوة.
بين الرياح التي تضرب النوافذ، والمصائر التي تهتز كالأغصان اليابسة، تبحث سوريا عن دفء لا تمنحه النشرات الجوية، بل فكرة أن الغد مهما تأخر لا بد من أن يأتي، وأن وراء هذا الصقيع الطويل، شمساً ستذيب ما تجمد من حياة. وما يميز هذا الصقيع عن سابقيه أنه يعري السوريين من الأوهام.
من رحم هذا التجمد، تولد أحياناً قدرة غريبة على التحمل، فكأن السوري، بعد أن اختبر كل درجات القسوة، لم يعد يطلب الدفء بقدر ما يطلب المعنى. فالبرد لا يزول حين ترتفع الحرارة، بل حين تستعيد الروح دفئها، وحين يجد الإنسان، وسط كل هذا الصقيع، سبباً صغيراً ليؤمن أن الوطن يمكن أن ينهض من جديد.
سياسة
سياسة
سياسة
ثقافة