جدل اللقاء المحجوب: قناة شمس وحق الجمهور في المعرفة بعد تحرير الشيخ مقصود والأشرفية


هذا الخبر بعنوان "حق الجمهور في المعرفة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الأزمنة المفصلية، حين تعيد الجغرافيا ترتيب ذاكرتها وتنسحب السرديات المصطنعة تحت ضغط الواقع، لا تقتصر المعركة على الجانب السياسي فحسب، بل تمتد لتشمل الجانب المعرفي أيضًا. فالكلمة، في لحظات التحول، تتحول من مجرد أداة توصيف إلى أداة مساءلة، ومن ناقل محايد إلى اختبار أخلاقي بالغ الحساسية. وما تبع تحرير حيي الشيخ مقصود والأشرفية لم يكن مجرد حدث عسكري معزول، بل كان زلزالًا سرديًا هز البنية الإعلامية التي طالما أحاطت تلك الجغرافيا بطبقات كثيفة من التأويل والانتقاء.
في هذا السياق، برز خبر اللقاء الحواري الذي أجراه الرئيس الشرع مع قناة “شمس” الفضائية الكردية. لم يكن هذا اللقاء عاديًا لا في توقيته ولا في دلالاته، إذ جاء في لحظة انكشاف، تتقاطع فيها الأسئلة المؤجلة مع حقائق ميدانية لم تعد قابلة للتجميل. انتظر الجمهور هذا اللقاء بوصفه مساحة للاستماع، لا بالضرورة مساحة للاقتناع.
لكن الجمهور فوجئ بصمت القناة، ثم بتبرير تقني سرعان ما تآكل، ليظهر لاحقًا تفسير أكثر صراحة مفاده أن اللقاء “لا يخدم الجمع بل يكرس الانقسام”. عند هذه النقطة، خرجت القضية من إطارها الإجرائي، ودخلت حيزًا أخطر يمس الفلسفة المهنية للصحافة نفسها. فالمسألة لم تعد تتعلق بعطل فني عابر، بل بقرار تحريري واعٍ، يحمل في طياته تصورًا أبويًا عن الجمهور، ودورًا إرشاديًا للإعلام يتجاوز حدود المهنة ويمس جوهرها.
ليس الهدف هنا إعادة تدوير الأسئلة السياسية المتداولة حول من منح هذه القناة حق التقدير السيادي لما يجب أن يسمعه الناس وما ينبغي حجبه، أو لماذا استبدلت الذريعة التقنية بتبرير قيمي، أو من هي القوى التي خشيت من بث خطاب قد يعيد تشكيل وعي الشارع الكردي بعد أن أسقطت أحداث الشيخ مقصود والأشرفية كثيرًا من الروايات المتخشبة. كل ذلك مهم، لكنه ليس موضوع هذا المقال.
الموضوع الأعمق والأكثر خطورة هو أخلاقيات الممارسة الصحفية، حين تُستبدل الوظيفة المعرفية للصحافة بوظيفة الضبط الرمزي، وحين يتحول الإعلام من منصة كشف إلى أداة تصفية. ففي الأدبيات الأكاديمية، لا تُعرّف الصحافة بوصفها مجرد مهنة نقل أو تحليل، بل باعتبارها حقلًا عامًا لإنتاج المعرفة. ويُعد مبدأ “حق الجمهور في المعرفة” حجر الزاوية في هذا الحقل. هذا الحق ليس منحة مؤقتة، ولا امتيازًا مشروطًا بالانسجام السياسي، بل هو حق أصيل، سابق على المؤسسة الإعلامية نفسها. وحين يُنتهك هذا الحق، لا يكون ذلك خطأ مهنيًا فحسب، بل خللًا أخلاقيًا بنيويًا.
القول إن بث اللقاء قد يفرق ولا يجمع، ينطوي على افتراض خطير، مفاده أن الحقيقة عبء يجب التحكم بجرعاته، وأن الوعي الجمعي مادة قابلة للإدارة من أعلى. هذه ليست فلسفة صحفية، بل مقاربة دعائية مغلقة، ترى في الجمهور كيانًا هشًا، وفي الكلمة الحرة تهديدًا محتملًا. في العمل الصحفي الرصين، لا يُقاس المحتوى بمعيار الراحة السياسية، بل بمعيار الأهمية العامة.
هل اللقاء يحمل قيمة خبرية؟ نعم. هل يتضمن خطابًا رسميًا يستحق التداول؟ نعم. هل يهم شريحة واسعة من المجتمع، كردية كانت أم وطنية؟ بلا شك. عند هذه النقطة، تنتهي صلاحية أي اجتهاد وصائي، ويبدأ حق الجمهور الخالص في الاطلاع. إن حجب مادة مكتملة بدعوى المصلحة العامة هو تناقض صارخ؛ لأن المصلحة العامة لا تتحقق بالمنع، بل بالشفافية، ولا تُصان بالتعتيم، بل بفتح المجال أمام النقاش الحر.
فالحقيقة، مهما كانت صادمة، تظل أقل خطرًا من الفراغ المعرفي، لأن هذا الفراغ سرعان ما يُملأ بالإشاعة، وبالخطاب المتطرف، وبالتأويلات العدائية. الأخطر من الحجب ذاته، هو ما يكشفه من تحول في وظيفة الإعلام، من سلطة رقابية تراقب الخطاب السياسي، إلى أداة تكييف للوعي، تنتقي ما يناسب وتقصي ما يربك. هنا، تفقد الصحافة معناها، وتتحول إلى ممارسة رمادية، تقف في منتصف الطريق بين الإعلام والدعاية.
لقد أعادت هذه الواقعة طرح سؤال جوهري طال تجاهله: لمن يعمل الإعلام؟ للسلطة السياسية؟ أم للتوازنات الحزبية؟ أم للجمهور بوصفه صاحب الحق الأصيل في المعرفة؟ في لحظات الاستقرار، يمكن لهذا السؤال أن يُؤجل. أما في لحظات التحول الكبرى، فإنه يصبح سؤالًا وجوديًا. إن الصحافة، حين تتخلى عن شجاعتها الأخلاقية، لا تخسر مصداقيتها فقط، بل تخسر دورها التاريخي. فالإعلام الذي يخشى الحقيقة، مهما كانت نياته، يسهم في إطالة عمر الوهم. والوهم، كما أثبتت التجارب، لا يصنع وحدة، بل يؤجل الانفجار.
في النهاية، لا تُقاس مهنية المؤسسات بما تبثه في الأيام العادية، بل بما تختار أن تحجبه في اللحظات الحرجة. وهناك، بالضبط، تنكشف الأخلاق، عارية من كل قناع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة