مرسوم رئاسي يقر بحقوق الكرد السوريين: هل ينهي مظلومية التاريخ أم يواجه مأزق المشاريع السياسية؟


هذا الخبر بعنوان "من إنكار الوجود إلى رفض الاعتراف: الكرد السوريون بين مظلومية التاريخ ومأزق المشروع السياسي" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في لحظة تاريخية فارقة للدولة السورية، صدر مرسوم رئاسي يعترف بما كان محظوراً لعقود: أن الكرد سوريون أصيلون، لا طارئون ولا ضيوف، وأن لغتهم وثقافتهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني. هذا المرسوم يسقط إرثاً ثقيلاً من الإنكار والتجريد، وينهي عملياً إحدى أعمق المظالم التي خلفها عهد حافظ الأسد وورثها ابنه بشار. ومع ذلك، جاءت المفارقة صادمة: اعتراف تاريخي قوبل بالرفض، وتصحيح قانوني استُقبل بالسخرية، وحقوق طبيعية وُصفت بأنها "لا تقدم ولا تؤخر".
لم تكن القضية الكردية في سوريا يوماً مسألة عارضة أو ثانوية، بل شكلت أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. فمنذ عهد حافظ الأسد، جرى التعامل مع الوجود الكردي كملف أمني لا قضية مواطنة، وتوج ذلك بإحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، الذي جرد عشرات الآلاف من الكرد السوريين من جنسيتهم، وحولهم إلى فئة "أجانب" و"مكتومي القيد" داخل وطنهم.
على مدى عقود، لم تعترف الدولة رسمياً بالهوية القومية للكرد، ولا بلغتهم، ولا بأعيادهم. بل حُظر التعليم باللغة الكردية، ومُنع الاحتفال بعيد النوروز، وقُمعت الأنشطة الثقافية المستقلة، في إطار سياسة تعريب ممنهجة هدفت إلى فرض هوية أحادية بالقوة، وإقصاء أي تعبير ثقافي مختلف.
وفي عهد بشار الأسد، لم يتغير جوهر السياسة، بل تغير أسلوب إدارتها. استُخدمت القضية الكردية كورقة تكتيكية، قُدمت من خلالها تنازلات جزئية عند الحاجة، دون أي اعتراف صريح بالهوية أو معالجة جذرية للمظلومية. بقي الكرد عالقين بين إنكار قديم واستثمار سياسي جديد، دون حل فعلي يعيد تعريفهم كمواطنين كاملين في دولة واحدة.
اليوم، ومع صدور المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 عن الرئيس أحمد الشرع، كُسر هذا المسار للمرة الأولى. فالمرسوم لا يلتف على القضية، بل يسميها بوضوح: الكرد مكون أصيل من الشعب السوري، لغتهم لغة وطنية، إحصاء 1962 يُلغى، الجنسية تُستعاد، والنوروز يُعترف به عيداً وطنياً. من حيث المضمون، يشكل هذا المرسوم تصحيحاً قانونياً وسياسياً لظلم تاريخي، لا منةً ولا هبةً، بل استعادة لحقوق طبيعية كان ينبغي أن تكون قائمة منذ قيام الدولة.
غير أن ردود الفعل الرافضة أو المستهزئة من قبل بعض القوى السياسية الكردية لم تكن تفصيلاً عابراً، بل لحظة كاشفة. فحين يُرفض الاعتراف لأنه لا يتجاوز إطار الدولة، وحين تُقلل قيمة الحقوق لأنها لا تلبي مشاريع سياسية أوسع، يصبح السؤال مشروعاً: هل كانت المعركة يوماً معركة حقوق داخل الدولة، أم وسيلة دائمة لتغذية مشروع سياسي محدد سلفاً؟
إن التعامل مع هذا المرسوم بوصفه إجراءً شكلياً "لا يقدم ولا يؤخر" يكشف أزمة خطاب أكثر مما يكشف أزمة حقوق. خطاب بنى شرعيته طوال سنوات على مظلومية مطلقة، ويجد نفسه اليوم أمام واقع جديد يسقط هذه الورقة، ويفرض عليه الانتقال من منطق الاحتجاج إلى منطق الشراكة الوطنية، وهو انتقال يبدو أن بعض النخب لم تستعد له سياسياً ولا فكرياً.
لا يعني ذلك أن المرسوم نهاية النقاش حول مستقبل سوريا، أو اكتمال بناء الدولة العادلة، لكنه يمثل نقطة تحول واختباراً سيادياً واضحاً: اختبار الدولة في قدرتها على تثبيت الاعتراف ضمن إطار الدولة الواحدة الموحدة، واختبار القوى السياسية الكردية في قدرتها على التعامل مع الحقوق المعترف بها بوصفها أساساً للاندماج الوطني، لا ذريعة لفرض وقائع سياسية خارج منطق الدولة.
إن تحويل الحقوق إلى أداة اشتباك سياسي، أو استخدامها كرافعة لمشاريع تتجاوز الإجماع الوطني، لا يخدم الكرد ولا يحمي مكتسباتهم، بل يعيد إنتاج الشكوك والمخاوف، ويضع القضية مجدداً في مواجهة مع فكرة الدولة، لا في قلبها.
بين عهد أنكر الوجود، وعهد استخدم القضية، وعهد يقر بالحقوق، تقف المسألة الكردية اليوم عند لحظة فاصلة. فإما أن يُبنى على هذا الاعتراف مسار اندماج وطني صريح، أو يُهدر في صراعات مشاريع لا تنتج إلا عزلة سياسية جديدة. وفي السياسة، كما في التاريخ، ليست قيمة اللحظات في ما تعلنه فقط، بل في كيفية التعامل معها. والفرص التي لا تلتقط، نادراً ما تعود.
ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة