معاناة متفاقمة في حماة: أزمة الإيجارات تلتهم الدخول وتهدد استقرار الأهالي والطلاب


هذا الخبر بعنوان "أزمة سكنية في حماة: ارتفاع الإيجارات يفاقم معاناة الأهالي والطلاب" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة حماة أزمة سكنية خانقة تتفاقم يوماً بعد يوم، وذلك في ظل الارتفاع الصاروخي لأجور الإيجارات السكنية. هذا الواقع ألقى بظلاله الثقيلة على كاهل الأهالي، ووسع دائرة المتضررين لتشمل شرائح واسعة من المجتمع كطلاب الجامعات والموظفين والعاملين. ففي الوقت الذي باتت فيه الرواتب عاجزة عن مواكبة تكاليف السكن المتزايدة، حيث يتراوح متوسط الأجور والدخول الشهرية بين 150 و200 دولار أميركي، وهو مبلغ يقلّ بكثير عن الحد الأدنى لإيجارات الشقق داخل المدينة.
وفي هذا السياق، أوضحت نجاح درويش، مديرة مدرسة عمار بن ياسر، أن أزمة الإيجارات لم تعد مجرد مشكلة اقتصادية، بل باتت تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للأسر. وأشارت إلى أن الرواتب لم تعد تكفي سوى لتأمين الغذاء الأساسي، بينما يستنزف إيجار المنزل الجزء الأكبر من الدخل الشهري. وأضافت درويش أن العديد من العائلات تضطر إلى حرمان نفسها من احتياجات أساسية مع بداية كل شهر، فقط لتغطية بدل الإيجار، مؤكدة أن هذا الوضع لم يعد استثناءً، بل تحوّل إلى حالة عامة. وتذمّرت من غياب أي حلول عملية تخفّف من هذا العبء، معتبرة أن استمرار الأزمة يهدد الاستقرار الاجتماعي لعدد كبير من الأسر.
بحسب رصد دقيق للسوق العقاري في المدينة، كانت أسعار الإيجارات في حماة قبل "التحرير" أقل نسبياً، حيث تراوح متوسط إيجار الشقة الواحدة بين 100 و250 دولاراً شهرياً، وذلك تبعاً للموقع والمساحة. إلا أن الأسعار شهدت بعد "التحرير" ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بات متوسط الإيجار يتراوح بين 200 و500 دولار شهرياً، ما يعني أن كلفة السكن وحدها باتت تتجاوز أو تساوي كامل الدخل الشهري لمعظم الأسر.
ولفت سكان إلى أن موقع الشقة السكنية يلعب دوراً حاسماً في تحديد الأجرة، إذ ترتفع الأسعار بشكل كبير في الأحياء القريبة من مركز المدينة والخدمات الحيوية، بينما تبقى أقل نسبياً في المناطق القديمة، وإن كانت لا تزال مرتفعة قياساً بمستوى الدخل المحدود.
وفقاً لرصد مراسلة سوريا 24 وتقديرات محلية، تتراوح الإيجارات في الحد الأدنى بين 150 و200 دولار شهرياً لشقق صغيرة تقع في أحياء قديمة، وهو مبلغ يوازي متوسط الدخل الشهري تقريباً. أما الفئة المتوسطة، فتسجل إيجارات تتراوح بين 250 و400 دولار لشقق متوسطة ضمن مناطق وسط المدينة، أي ما يتجاوز دخل معظم العاملين. وفي المناطق الحديثة، تصل إيجارات الشقق الفاخرة إلى ما بين 600 و1000 دولار شهرياً، وهو رقم يُعد خارج القدرة المالية للغالبية الساحقة من السكان.
لم تقتصر تداعيات الأزمة على العائلات فقط، بل طالت شريحة الطلاب الجامعيين، الذين يواجهون صعوبات متزايدة في العثور على سكن مناسب بالقرب من جامعاتهم، في ظل غياب أي دخل ثابت يغطي تكاليف الإيجار المرتفعة.
وفي هذا السياق، روت الطالبة الجامعية بشرى شمعون أنها، إلى جانب عدد من زميلاتها، أمضت فترة طويلة في البحث عن مسكن دون جدوى. وأوضحت أن معظم الشقق المعروضة تتجاوز إيجاراتها 250 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ يفوق قدرتهن المادية بكثير. وأضافت أن الشقق التي تُعرض بإيجارات أقل، بحدود 150 دولاراً، تكون في الغالب صغيرة جداً وقديمة وبعيدة عن الجامعة، ما يفرض عليهن أعباء إضافية تتعلق بالمواصلات والوقت. واشتكت شمعون من أن هذه المعاناة تستنزف وقت الطالبات وجهدهن، وتؤثر سلباً على تحصيلهن الدراسي واستقرارهن النفسي، مؤكدة أن الطالبات بحاجة إلى بيئة مستقرة تساعدهن على التركيز في الدراسة وبناء مستقبلهن.
كما تذمّرت شمعون من غياب الرقابة على سوق الإيجارات، معربة عن أملها في إيجاد حلول عملية تخفّف عبء السكن وتتيح لهن العيش بكرامة.
يرى متابعون للسوق العقارية أن هذا الارتفاع يعود إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها زيادة الطلب على السكن نتيجة النزوح من مناطق أخرى، في مقابل نقص واضح في المعروض السكني. كما ساهم ارتفاع تكاليف البناء ومواد الإكساء، إلى جانب التدهور العام في الوضع الاقتصادي، في دفع مالكي العقارات إلى رفع الأسعار، ما أدى إلى فجوة متزايدة بين الدخول ومستوى الإيجارات. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الطلب على السكن في حماة ارتفع بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة منذ "التحرير"، ما فاقم الضغط على سوق يعاني أصلاً من اختلالات بنيوية.
وفي هذا السياق، أكد الخبير في قطاع الإنشاءات نورس قيطاز أن معالجة أزمة السكن لا يمكن أن تتم عبر ضبط الأسعار فقط، بل تتطلب زيادة العرض السكني. وأوضح أن ذلك يستدعي تشجيع الاستثمار في قطاع البناء، وتوفير التمويل اللازم للمشاريع السكنية، إلى جانب دور أكثر فاعلية للحكومة في تأمين سكن ميسّر للفئات الأشد حاجة، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
اشتكى عدد من الأهالي من أن الإيجارات المرتفعة باتت تلتهم كامل الدخل الشهري أو الجزء الأكبر منه، ما يدفعهم إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والاحتياجات الأساسية. وأشاروا إلى أن استمرار الأزمة من دون حلول واضحة ينذر بتداعيات اجتماعية واقتصادية أعمق، في وقت يطالب فيه السكان بسياسات إسكانية واضحة تخفف عنهم عبء السكن وتمنحهم قدراً من الاستقرار.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد