الرقة: مدينة تحت قبضة "قسد" و"الشبيبة الثورية" تتحول إلى معسكر رعب وقمع


هذا الخبر بعنوان "الرقة تحت سلطة "قسد" و الشبيبة الثورية: حين تتحول المدينة إلى معسكر" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مدينة الرقة، لم يعد صوت القصف هو ما يوقظ السكان، بل طرقٌ مفاجئ على الأبواب، أو انتشار إشاعات عن مداهمات ليلية، أو أنباء عن اختفاء شباب بسبب هواتفهم. هنا، لا يُقاس الأمان بغياب المعارك، بل بقدرة الفرد على تجاوز يومه دون أن يتحول إلى اسم في كيس أسود، أو رقم في مشفى مكتظ، أو هدف لحملة أمنية. الرقة، التي خرجت للتو من حرب مدمرة، لم تنعم بالاستقرار، بل انتقلت إلى شكل آخر من الحكم؛ أكثر هدوءاً وتنظيماً، لكنه أشد قسوة. إنه حكم لا يحتاج إلى إعلان حالة طوارئ دائمة، لأنه حوّل الخوف نفسه إلى قانون غير مكتوب يطبق على الجميع بلا استثناء.
خلال الأيام الماضية، شهدت برادات المشفى العسكري غرب مركز المدينة تكدساً كبيراً لجثث عناصر ميليشيا قسد، مع منع ذوي القتلى من فتح أكياس الجثث للتحقق من هويات أبنائهم. ومن الأمثلة على ذلك حالتا ميار المرعي العلوش وخالد عبد الرحيم السليمان، اللذان خرجا أحياء وعادا إلى عائلتيهما جثثاً مغلقة، بعد أن فُرض عليهما القتال عبر التجنيد الإجباري. في الوقت ذاته، تعاني مشافي الرقة والطبقة والمشفى العسكري من اكتظاظ هائل بالمصابين، مما استدعى نقل مرضى العناية المشددة إلى مشفى الرقة الوطني لتخفيف الضغط، مع تسجيل حالات نقل جديدة يومياً. هذا المشهد الصحي المنهك يخفي وراءه حجم خسائر لا يُراد لها أن تُرى.
لكن الموت في الرقة لا يقتصر على الجبهات. فداخل المدينة، تنفذ ميليشيا قسد، بالتنسيق مع ما يُعرف بـ"الشبيبة الثورية"، حملات مداهمة متزامنة ومستمرة تستهدف أشخاصاً يُشتبه بامتلاكهم ميولاً معارضة أو أي صلة بالحكومة. خلال هذه الحملات، تُفتش الهواتف بدقة، بما في ذلك سجلات البحث داخل تطبيقات التواصل الاجتماعي، في محاولة لتحويل الحياة الخاصة إلى ملف أمني مفتوح.
منذ دخول "الشبيبة الثورية" إلى الرقة، بعد إخراجهم من حلب، تحوّل وجودهم إلى مصدر رعب يومي للسكان. هذا التشكيل، المرتبط أيديولوجياً وتنظيمياً بـحزب العمال الكردستاني (PKK)، لا يعمل كقوة أمنية، بل كميليشيا قمعية تؤدي وظيفة واضحة: اعتقال السكان تعسفياً، تغييبهم، ومنع ذويهم من معرفة مصيرهم أو حتى السؤال عنهم. هؤلاء المعتقلون قد يُعادون مكسورين، وقد لا يعودون أصلاً، وتبقى الرسالة واضحة لكل من يعيش في المدينة: الصمت أو العقاب.
لم يقتصر الأمر على الأفراد؛ فقد استولت "الشبيبة الثورية" على مدارس في المدينة، وعطّلت الدوام الدراسي، وحوّلت الأبنية التعليمية إلى مقرات وسكن لعناصرها. كما صادرت منازل مدنيين بذريعة "الغياب" أو الاشتباه، دون أي سند قانوني. هذه الممارسات حولت الحياة المدنية نفسها إلى هدف للقمع، بما في ذلك المدارس والمنازل والشوارع، وأثبتت أن المدينة بأكملها تحت سيطرة ميليشيا تعمل خارج أي إطار قانوني.
يُطلق أبناء الرقة عليهم اسم "الشبيبة النازية"، ليس بدافع الشتيمة، بل توصيفاً لسلوك قائم على العنف المجرد، واستعراض القوة، وإذلال المدنيين. اقتحام منازل، تكسير ممتلكات، سرقة أموال وسيارات، اعتداءات ليلية، وتعذيب علني، كل ذلك يحدث تحت غطاء حظر التجول الذي تحوّل من إجراء أمني إلى أداة ابتزاز وترهيب. في الليل، تُفرغ الشوارع من أهلها، وتُترك لعناصر "الشبيبة الثورية". لا أوامر قضائية، ولا تهم واضحة، ولا حق في الاعتراض. من يُؤخذ قد يعود مكسوراً، وقد لا يعود أصلاً. والرسالة لا تُوجَّه إلى الضحية وحدها، بل إلى المدينة كلها: الصمت هو شرط البقاء.
هذه الممارسات ليست استثناءات أو أخطاء فردية، بل نمطاً متكرراً. تُعامل الرقة كمدينة "غير موثوقة"، ويُعامل أهلها كبيئة يجب ضبطها بالقوة. لذلك، يصبح التعذيب وسيلة "تربية"، والإذلال سياسة، والخوف أداة إدارة. يعبّر أهالي الرقة عن غضب عميق ورفض واسع لأي حديث عن مفاوضات أو امتيازات لـقسد. فسنوات السيطرة، كما يقولون، لم تخلف سوى نهب لخيرات المدينة وتدمير للنسيج الاجتماعي. ويرى كثيرون أن الحديث عن اتفاقيات بعد كل ما جرى ليس مجرد تجاهل للمعاناة، بل إهانة لها.
إلى جانب القمع، يعيش الناس فقراً خانقاً، وبطالة، وارتفاعاً حاداً في الأسعار. ومع تصاعد التوتر، يزداد القلق من مخاطر شبكة الأنفاق المنتشرة تحت أحياء المدينة، واحتمال انهيار المباني فوق ساكنيها، في ظل غياب القدرة على النزوح أو حتى تخزين المواد الغذائية إذا انفجرت الأوضاع.
ما يحدث في الرقة ليس ملتبساً، ولا معقداً، ولا قابلاً لإعادة التوصيف. إنه حكم قائم على القوة، يُدار عبر ميليشيا، ويستمر بالصمت. لا شرعية تُبنى فوق الجثث، ولا أمن يولد من الإذلال، ولا سلطة يمكن تبرئتها لأنها "أفضل من البديل". هذه ليست مقارنة صالحة، بل خدعة أخلاقية. من يحكم مدينة بالخوف، لا يحكمها، بل يحتلها. ومن يحوّل المجتمع إلى سجن، لا يطالب بالاستقرار، بل يفرضه بالقسر. الرقة لن تحتاج يوماً إلى من يفسر ما جرى فيها. ستحتاج فقط إلى لحظة يُكسر فيها هذا الصمت. وعندها، لن تكون المشكلة في ما قيل، بل في كل ما لم يُقَل.
ريم الناصر - زمان الوصل
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة