الاتفاق بين "قسد" وسلطة دمشق: تحول جيوسياسي في سوريا وتوازنات إقليمية معقدة


هذا الخبر بعنوان "سوريا والتفاهمات الداخلية" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمثل الاتفاق الجديد بين "قسد" وسلطة دمشق نقطة تحول بارزة في معادلة الجغرافيا السياسية ضمن الميدان السوري، حيث تتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية على أرض واحدة. لقد شكلت المعارك التي امتدت من ريف حلب وصولاً إلى أطراف الرقة اختباراً لتوازن إقليمي مستجد، شاركت فيه أنقرة بفاعلية كبيرة، بينما تابعت واشنطن التطورات عن كثب بهدف احتواء نطاق التصعيد دون تغيير مساره.
على الرغم من التراجع الملحوظ لخطوط "قسد" غرب الفرات، إلا أن جوهر الصراع تمحور حول تحديد الجهة التي تملك تعريف "الأمن السوري" في ظل إعادة صياغة الخريطة الإقليمية. أنقرة، التي انخرطت بقوة في هذه المعادلة، تجاوزت دور حماية الحدود لتصبح طرفاً مؤثراً في رسم مستقبل الشمال والشرق السوريين.
أظهرت الولايات المتحدة، التي تسعى للحفاظ على "الحد الأدنى من الاستقرار"، ميلاً أكبر لاحتواء المشهد ودمجه ضمن استراتيجيتها الأساسية لـ"إدارة المخاطر". وقد سعت واشنطن إلى إبقاء خطوط التماس تحت السيطرة، ومنع ظهور محور جديد يربط الشمال السوري بالعراق من خلال نفوذ تركي-سوري مشترك.
تعكس هذه الرقابة الأمريكية المترددة استراتيجية جديدة لرسم الخرائط لا تلغي حدود الدول، بل تعيد تشكيلها بطريقة تجعلها محاصرة بالأزمات. لقد سمحت واشنطن لسلطة دمشق برسم ملامح اتفاق يشير إلى استعادة تدريجية للسيادة. إن وجود "الجيش السوري" في الرقة وريف الحسكة لا يعني بالضرورة عودة الدولة إلى ما كانت عليه قبل عام 2011، بل هو إعادة تعريف لها بما يتناسب مع الزمن الإقليمي الراهن الذي تحكمه ترتيبات أمنية متداخلة بين أنقرة وواشنطن و"إسرائيل". يهدف هذا الحضور الجزئي للدولة إلى كسر العزلة الجغرافية وإقامة اتصال ميداني بين الغرب والشرق السوريين، مع الإبقاء على الباب مفتوحاً أمام تفاهمات اقتصادية وسياسية محلية تعيد إنتاج الإدارة الذاتية بصيغة سورية-مركزية منقحة.
في خلفية هذا المشهد المعقد، تبرز أنقرة كلاعب محوري في هندسة التوازنات الجديدة. والمفارقة أن أنقرة، التي مثلت لعقد من الزمن التهديد الأكبر للدولة السورية، قد تحولت بعد سقوط نظام البعث إلى "الضامن الواقعي" لتوازن الشمال. ومع ذلك، فإن هذه المعادلة الجديدة لا تخلو من الهشاشة، إذ أن التفاهمات الراهنة مبنية على منطق الضرورة وفي غياب مشروع سياسي جامع. فاللاتفاق بين سلطة دمشق و"قسد" يُعد خط دفاع ضد الانهيار، أكثر منه خطوة نحو تسوية نهائية.
إن ما يجري يكشف عن لحظة جيوسياسية مضطربة تتشابك فيها حسابات الإقليم مع الإرهاق الداخلي السوري. فـ"قسد" تسعى اليوم للتموضع ضمن الإطار الوطني، بينما تحاول سلطة دمشق ترتيب شرعيتها بالقوة بدلاً من عقد اجتماعي جديد. في المقابل، ترسم أنقرة حدود نفوذها ببراغماتية صارمة، وذلك في ظل تعامل أمريكي محسوب ومراقبة روسية دقيقة.
لا يمكن اعتبار التفاهمات الداخلية "تسوية سورية" شاملة، بل هي جزء من معادلة إقليمية أوسع تتشكل من ضغوط متبادلة بين أنقرة وواشنطن، وتوازنات دقيقة تُبقي الجغرافيا السورية في حالة "استقرار قابل للإدارة" بدلاً من سلام كامل. هذه التفاهمات هي انعكاس لتلك الضغوط المتبادلة بين القوتين الإقليميتين والدوليتين.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة