إيران على مفترق طرق استراتيجي: تحديات النظام، الردع المعقد، وتكتيكات واشنطن الجديدة


هذا الخبر بعنوان "إيران عند حافة التحوّل: الاستراتيجية الأمريكية، مأزق النظام، وحدود الردع" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى د. سلمان ريا أن إيران، في مرحلتها الراهنة، تجاوزت كونها مجرد دولة تواجه أزمات داخلية أو ضغوطًا خارجية متفرقة، لتصل إلى مفترق طرق استراتيجي لم تشهده منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979. لقد كشف التوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة، وما رافقه من إنذارات سياسية وعسكرية أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن أن النظام الإيراني يمر بحالة من التزعزع البنيوي العميق، بغض النظر عن مسار التطورات القريبة. المثير للاهتمام في هذا المشهد ليس حجم التهديدات الأمريكية، بل ما لم يتحقق: الضربة العسكرية التي لوح بها لم تقع. هذا التوقف عند حافة المواجهة لا يمكن تفسيره بالخوف العسكري البحت، ولا بوجود صفقة كبرى مكتملة، بل بمنطق استراتيجي أكثر تعقيدًا يفضل إدارة أزمة طويلة الأمد على حسم سريع محفوف بالمخاطر.
على عكس الانطباع السائد، أظهرت إدارة ترامب أنها لا تتردد في استخدام القوة، حيث سجلت في الأشهر الأخيرة عمليات عسكرية وانتقائية في أفريقيا والشرق الأوسط وفنزويلا وسوريا. لكن الوضع الإيراني يختلف جوهريًا؛ فإيران ليست هدفًا منفردًا، بل هي محور إقليمي معقد يمتد نفوذه من لبنان إلى اليمن، ويؤثر على مصالح الطاقة العالمية، ويفرض تكلفة باهظة وغير قابلة للسيطرة على أي تدخل عسكري مباشر. لذلك، لم يكن التراجع المؤقت عن الضربة مؤشرًا على الضعف، بل كان إدراكًا بأن الحرب مع إيران لا يمكن إدارتها بمفهوم "الضربة النظيفة". فأي هجوم واسع النطاق قد لا يؤدي إلى إسقاط النظام، ولكنه قد يشعل سلسلة من الردود في ساحات متعددة، ويهدد الملاحة في الخليج، ويرفع أسعار النفط إلى مستويات تضر بالاقتصاد العالمي، مما يضع واشنطن في مأزق سياسي داخلي ودولي.
في المقابل، لم تقف إيران مكتوفة الأيدي، بل عملت خلال السنوات الأخيرة على بناء نموذج ردع معقد يجمع بين القدرات المحلية والدعم التقني القادم من الشرق. ساهمت روسيا في تطوير الدفاعات الجوية والرادارية، وتحديث منظومات S-300، وقدمت خبرات في الحرب الإلكترونية، مع احتمالية تعزيز سلاح الجو الإيراني بمقاتلات سوخوي-35. أما الصين، فقد اضطلعت بدور أكثر هدوءًا ولكنه حاسم، من خلال توفير منظومات HQ-9B للدفاع الجوي، وتقنيات القيادة والسيطرة، وربط الرادارات، والحرب السيبرانية، مما مكن إيران من التحول من دفاعات معزولة إلى شبكة دفاعية أكثر تكاملًا.
لا تجعل هذه القدرات المجال الجوي الإيراني منيعًا بشكل كامل، لكنها تفرض خسائر مؤكدة على أي مهاجم، وتلغي مفهوم "الضربة المجانية". تشير التقديرات الواقعية إلى أن أي مواجهة واسعة النطاق قد تؤدي إلى خسارة طائرات أو مسيّرات ذات قيمة عالية، وضرب قواعد أمريكية في الخليج والعراق، بالإضافة إلى اضطرابات اقتصادية عالمية. هذه التكلفة، وليس التفوق العسكري الإيراني، هي ما أعاد تشكيل القرار الأمريكي. ومع ذلك، لم تغير واشنطن هدفها، بل غيرت أدواتها. فمع تأجيل الضربة العسكرية، استمرت إدارة ترامب في تشديد الحصار الاقتصادي والنفطي، ورفعت تكلفة أي محاولة صينية للتحايل على العقوبات، وربطت الملف الإيراني مباشرة بالمنافسة الاستراتيجية مع بكين. وما حدث في فنزويلا – من إقصاء نيكولاس مادورو وقطع أحد مصادر النفط المهمة عن الصين – لم يكن حدثًا معزولًا، بل يمثل نموذجًا يُراد تكراره بأساليب مختلفة.
في هذا السياق، تظهر مواقف روسيا والصين كاشفة ومحسوبة في آن واحد. فلم تُبدِ أي منهما استعدادًا لمواجهة واشنطن دفاعًا عن طهران، واكتفتا بتقديم الدعم السياسي واللغوي. يعكس هذا السلوك حقيقة راسخة في السياسة الدولية: التحالفات الاستراتيجية تتآكل عند بلوغ التكلفة القصوى، ومواجهة الولايات المتحدة من أجل إيران ليست أولوية لا لموسكو ولا لبكين. أما الدول العربية، فقد انخرطت في جهود التهدئة مدفوعة بالخوف من انفلات الفوضى، وليس دفاعًا عن النظام الإيراني. فهي تدرك أن انهيار إيران أو انفجارها الداخلي سيترتب عليه تداعيات مباشرة على أمنها وأسواق الطاقة. ومن هنا، سعت لإقناع واشنطن بمنح طهران فرصة للدخول في مفاوضات جادة، ولكن بشروط تختلف جذريًا عن اتفاق 2015. فالمطروح اليوم ليس ملفًا نوويًا منعزلًا، بل إعادة نظر شاملة في "الركائز الثلاث" للعقيدة الإيرانية: النووي، الصواريخ، والوكلاء.
إن تراجع إيران عن تنفيذ إعدامات واسعة بحق المتظاهرين، مقابل تأجيل الضربة العسكرية، قدم مؤشرًا إضافيًا على مستوى القلق داخل أركان النظام. فالنظام يخشى الانفجار الاقتصادي بقدر ما يخشى الضربة العسكرية، ويدرك أن الجمع بين هذين الضغطين قد يكون مدمرًا. وقد استغل ترامب هذا التراجع سياسيًا، محافظًا على غموضه المتعمد بشأن الخطوة التالية، ومكرسًا أسلوب "حرق الأعصاب" والوقوف على حافة الهاوية.
في الختام، تواجه إيران مأزقًا وجوديًا. فالإصلاح الجذري لعقيدتها النووية والصاروخية والميليشياوية يبدو شبه مستحيل هيكليًا، بينما التمسك بالقمع والمواجهة يفتح الباب أمام ضربات عسكرية قاسية وحصار نفطي خانق قد يؤديان إلى استنزاف النظام أو سقوطه. لا يمكن لأحد الجزم بمن سيفوز في سباق الزمن بين التصعيد العسكري والمفاوضات، أو ما إذا كان النظام قادرًا على تقديم تنازلات غير مسبوقة للبقاء. لكن المؤكد أن إيران قد دخلت أخطر مرحلة في تاريخها الحديث. وفي حسابات واشنطن، لم تعد إيران ملفًا ثانويًا أو أزمة يمكن تأجيلها. إنها اليوم، أكثر من أي ساحة أخرى، تمثل اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إعادة تشكيل النفوذ، ليس فقط عبر الحرب، بل عبر الاقتصاد والطاقة والتوقيت وإدارة المخاطر. إنها قصة احتواء طويل الأمد، وليست ضربة واحدة، وقصة نظام يقف على حافة التحول، مهما كان اتجاهه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة