في تطور عسكري سريع، أعلنت القوات الحكومية السورية سيطرتها على عدد من أهم الحقول النفطية والغازية في ريف دير الزور، أبرزها حقل العمر النفطي العملاق ومعمل كونيكو الاستراتيجي للغاز. يثير هذا الإنجاز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه الثروات على إنعاش اقتصاد منهك بعد سنوات طويلة من الحرب، أم أنها ستظل مجرد ورقة في صراع إقليمي ودولي أوسع نطاقاً.
معمل كونيكو: من الاستثمار الأمريكي إلى القاعدة العسكرية
يمثل حقل (كونيكو)، المعروف محلياً باسم "معمل غاز الطابية"، قصة تجسد تاريخ الطاقة المضطرب في سوريا.
- التأسيس والاستثمار: تعود تسمية المعمل إلى شركة Conoco Syrian DEZ Gas Ltd (CSDGL) التي أنشأته بعد فوزها بعقد من الشركة السورية للغاز المملوكة للدولة عام 2000. تم بناء المعمل وتشغيله خلال خمس سنوات، ثم سُلم بالكامل للحكومة السورية عام 2005.
- الأهمية الفنية: صُمم المعمل كمنشأة متكاملة ومتطورة، بقدرة إنتاجية نظرية تصل إلى 13 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً، بالإضافة إلى آلاف البراميل من المكثفات النفطية. قبل الحرب، كان يغطي ما يصل إلى 40% من احتياجات إنتاج الغاز الوطني، ويزود محطة كهرباء "جندر" في حمص بالوقود لتوليد 400 ميغاواط من الكهرباء.
- مسار مضطرب: منذ عام 2011، شهد الحقل تبدلاً في السيطرة بين فصائل المعارضة، وتنظيم "داعش"، ثم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في عام 2019. كما تعرض لمحاولة سيطرة من قبل قوات فاغنر الروسية، التي قُصفت حينها من طيران التحالف، ما أسفر عن مقتل 400 مرتزق من الفاغنر. أحكمت القوات الأمريكية قبضتها على الموقع لاحقاً وأنشأت فيه قاعدة عسكرية، مما جعله هدفاً للهجمات المتكررة.
الحقول المستعادة: فجوة هائلة بين الإمكانية والواقع
تُظهر البيانات تفاوتاً صارخاً بين القدرة الإنتاجية التاريخية لهذه الحقول وواقعها المأساوي الحالي، مما يشير إلى حجم التدهور الذي لحق بها:
- حقل العمر (النفط): كان إنتاجه قبل عام 2011 يصل إلى حوالي 80,000 برميل يومياً، بينما يبلغ إنتاجه الحالي أو الأخير حوالي 5,000 برميل يومياً، وفقاً لتصريح صحفي أدلى به يوسف قبلاوي اليوم للإخبارية السورية. يُعد هذا الحقل الأكبر في سوريا.
- حقل التنك (النفط): وصل إنتاجه قبل عام 2011 إلى حوالي 40,000 برميل يومياً، وانخفض حالياً أو مؤخراً إلى حوالي 1,000 برميل يومياً. وهو حقل رئيسي في حوض الفرات.
- حقل كونيكو (الغاز): كانت قدرته الإنتاجية قبل عام 2011 حوالي 13 مليون متر مكعب يومياً، وهو متوقف عن الإنتاج حالياً. يُعتبر المعمل منشأة متكاملة وحديثة لمعالجة الغاز، وجميع معداته أمريكية الصنع.
تشير هذه الأرقام إلى أن البنية التحتية تعرضت لأضرار جسيمة وإهمال حاد، بالإضافة إلى طرق استخراج غير فنية. وبالتالي، فإن عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة ليست مسألة أيام، بل ستتطلب استثمارات ضخمة وإصلاحات فنية معقدة وفترة زمنية لا تقل عن سنة بالحد الأدنى، شريطة توفر التمويل.
التحديات الاقتصادية والأمنية: طريق طويل نحو التعافي
على الرغم من أن التقديرات تشير إلى أن الإيرادات السنوية من هذه الحقول، عند استعادتها كامل طاقتها، قد تتجاوز 1.1 مليار دولار، إلا أن الطريق إلى تحقيق هذا الرقم محفوف بالتحديات الكبيرة:
- التحدي الفني والاستثماري: تحتاج الحقول إلى صيانة عاجلة وكوادر فنية مؤهلة. يتوقف جذب الاستثمارات اللازمة على الشركات التي تقوم بالتمويل والدعم الفني، والتي تبدأ بعد ذلك بحصد العوائد ورأس المال من الإنتاج. ويُلاحظ اليوم حالة عملية على الخوف من الاستثمار وتقديم التمويل، كما حدث في فنزويلا، حيث عزفت بعض الشركات الكبرى عن الاستثمار في النفط الفنزويلي بسبب ضخامة مبالغ التمويل والحاجة لوقت طويل لاستردادها وتحقيق الأرباح.
- التحدي الأمني: لا تزال مناطق واسعة غنية بالنفط والغاز، مثل حقلي "السويدية" و"رميلان" في الحسكة، تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مما يعني أن معركة السيطرة على الموارد قد لا تكون قد انتهت بعد.
- السياق الكلي: قبل الحرب، كان إجمالي إنتاج سوريا يقارب 400 ألف برميل نفط يومياً. اليوم، وبعد استعادة هذه الحقول، لا يتجاوز الإنتاج الوطني 100 ألف برميل يومياً، وهو ما يكفي بالكاد لتغطية الاستهلاك المحلي المدمر.
إن عودة حقول دير الزور إلى السيطرة الحكومية تمثل تحولاً تكتيكياً ومادياً مهماً، لكنها ليست "كأس خلاص" اقتصادي. فقيمة هذه الحقول حالياً هي قيمة رمزية واستراتيجية أكثر منها اقتصادية فورية. إن تحويلها من مجرد ورقة في الصراع إلى محرك حقيقي للتنمية، مرهون بتحقيق سلام حقيقي، ورفع العقوبات، وبدء عملية إعادة إعمار شاملة تعيد لهذه الثروات بريقها المفقود.
زمان الوصل