دير الزور: استعادة السيطرة الميدانية.. الأمن يترسخ والتنمية تواجه تحديات العودة


هذا الخبر بعنوان "دير الزور بعد الحسم الميداني: الأمن يتقدم والتنمية بانتظار القرار" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة دير الزور مرحلة مفصلية وحاسمة عقب التطورات الميدانية المتسارعة التي أفضت إلى بسط الجيش السوري سيطرته الكاملة على أرجاء المحافظة، شرق نهر الفرات وغربه. تتزامن هذه التطورات مع بدء عودة تدريجية لمؤسسات الدولة وخدماتها الأساسية. وبينما تتقدم المؤشرات الأمنية بثبات، يترقب الأهالي بفارغ الصبر ترجمة هذا التحول إلى تحسن ملموس في واقعهم الخدمي والمعيشي، بعد سنوات طويلة من الاضطراب والإقصاء.
ميدانيًا، أحكم الجيش السوري قبضته على كامل المحافظة، بالتعاون الوثيق مع العشائر المحلية، وذلك بعد استعادة السيطرة على عموم مناطق الريفين الشرقي والغربي. شملت هذه المناطق هجين والسوسة وذيبان شرقًا، وخشام والكسرة والصور غربًا، منهيًا بذلك سنوات من الانقسام الجغرافي والأمني في دير الزور، وممهّدًا لمرحلة جديدة من تثبيت الاستقرار.
في سياق متصل بالتقدم العسكري، أعلن الجيش السوري سيطرته على أبرز حقول النفط والغاز في المحافظة، وفي مقدمتها حقل العمر الاستراتيجي، بالإضافة إلى حقول التنك وكونيكو والجفرة والعزة وطيانة وجيدو ومالح أزرق. تُعد دير الزور الخزان النفطي الأهم في سوريا، حيث شكّل إنتاجها قبل عام 2011 ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وفي هذا الصدد، أكد الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، أن الحقول المستعادة ستُدار بخبرات هندسية وفنية وطنية، وبالتعاون مع شركات محلية وأجنبية، ضمن مرحلة جديدة لقطاعي النفط والغاز. وأوضح قبلاوي أن حقل العمر كان ينتج قبل الحرب نحو 50 ألف برميل يوميًا، لكنه تراجع خلال السنوات الماضية إلى قرابة 5 آلاف برميل فقط نتيجة الاستنزاف وسوء التشغيل، مشيرًا إلى أن الإنتاج النفطي السوري حاليًا لا يتجاوز 100 ألف برميل يوميًا مقارنة بـ400–500 ألف سابقًا، مؤكدًا أن إعادة التأهيل والاستثمارات الجديدة ستسهم في رفع الإنتاج تدريجيًا وصولًا إلى مرحلة التصدير.
على صعيد الإدارة والخدمات، بدأت عودة مؤسسات الدولة بشكل تدريجي ومحدود، حيث اقتصر الانتشار حتى الآن على وحدات الأمن العام والجيش، فيما لا تزال بقية المؤسسات في طور إعادة التفعيل. وسُجلت في المقابل، بحسب عدد من الأهالي، حالات تخريب وتعفيش طالت عددًا من المنشآت العامة، إلى جانب حرق وثائق وسجلات إدارية كانت تعود لإدارة “قسد”، إضافة إلى أضرار لحقت ببعض الحقول والمنشآت الخدمية. وأعلنت محافظة دير الزور توجيه الموظفين المدنيين العاملين في القطاعات الخدمية، مثل النظافة والمياه والصحة والتعليم، بالاستمرار في العمل مؤقتًا، ريثما يتم استكمال عملية التنظيم الإداري وإعادة الهيكلة.
في قطاع التعليم، أوضحت مصادر محلية لموقع سوريا 24 أن مناطق الجزيرة السورية التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد” اعتمدت خلال السنوات الماضية نظام التعليم الذاتي، مشيرة إلى وجود توجه لإعادة تفعيل المنهاج السوري الرسمي في المدارس خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، عقد مدير التربية والتعليم في محافظة دير الزور اجتماعًا مع الكوادر الإدارية والتوجيهية، جرى خلاله بحث وضع خطة تعليمية للمناطق المحررة، ومناقشة التحديات التي تواجه العملية التربوية، مع طرح مقترحات عملية لتحسين الواقع التعليمي وضمان انتظام العام الدراسي.
وبحسب إحصائيات عام 2024 الصادرة عن الإدارة الذاتية، يبلغ عدد الموظفين في مناطق شرق الفرات ضمن محافظة دير الزور نحو 13,380 موظفًا، في حين يتجاوز عدد الموظفين في الرقة والحسكة هذا الرقم، وسط غموض يلف حتى الآن آلية التعويض، وتثبيت الرواتب، وإعادة تسجيل العاملين على ملاكات الدولة. ويؤكد متابعون أن المرحلة المقبلة تتطلب جهدًا إداريًا وتنظيميًا كبيرًا لمعالجة هذه الملفات الحساسة، بما يضمن الاستقرار الوظيفي واستمرارية الخدمات.
ميدانيًا أيضًا، أجرى محافظ دير الزور جولة تفقدية شملت عددًا من المباني والمنشآت في المناطق المحررة، اطلع خلالها على جاهزية الأجهزة الأمنية والمعدات والآليات الخدمية، إضافة إلى زيارة مجبل الإسفلت، الذي يُتوقع أن يسهم في تحسين البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين. كما بدأت وحدات وزارة الداخلية انتشارًا أمنيًا منظمًا في ريف دير الزور الشرقي، في إطار جهود ترسيخ الاستقرار وحماية المدنيين والممتلكات، بالتوازي مع أعمال لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والاتصالات في عدد من المناطق.
بعد معاناة طويلة من التهميش التي استمرت في عهدي الأسدين، ثم استباحة تنظيم “داعش” للمنطقة، وما أعقبها من سيطرة “قسد” وما رافقها من تضييق ومعاناة معيشية، يأمل أهالي دير الزور أن تنظر الحكومة إليهم بوصفهم مواطنين لا مجرد سلة نفط ومحروقات، وأن تكون التنمية الشاملة وتحسين الخدمات وفرص العمل على رأس أولويات الدولة في المنطقة الشرقية. وبين الأمن الذي يتقدم على الأرض، والاحتياجات المتراكمة للسكان، تبقى المرحلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لتحويل الحسم العسكري إلى استقرار دائم وعدالة تنموية حقيقية.
سوريا محلي
سوريا محلي
صحة
سوريا محلي