الشرق الأوسط على مفترق طرق: نهاية «الصيغة الهجينة» وصراع إعادة تعريف الدولة والسلاح


هذا الخبر بعنوان "نهاية الصيغة الهجينة: السلاح، الدولة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى د. سلمان ريا أن الجدل حول السلاح خارج سيطرة الدولة في المنطقة تجاوز كونه نقاشًا قانونيًا أو دستوريًا ليصبح صراعًا وجوديًا على تعريف الدولة ذاتها. فما تشهده سوريا ولبنان والعراق ليس أحداثًا متفرقة، بل تجليات لأزمة موحدة تتمثل في أنظمة حكم اعتمدت طويلًا على «صيغة هجينة» سمحت بتقاسم السيادة بين الدولة وقوى مسلحة لا تخضع لها كليًا، مفضلة إدارة هذا التناقض على حسمه.
هذه «الصيغة الهجينة» بدت مستقرة وقابلة للاستمرار لسنوات، حيث قُدّمت أحيانًا كـ«مقاومة»، وأحيانًا أخرى كضرورة أمنية، أو كحل مؤقت فرضته الحروب والانهيارات. لكنها في جوهرها كانت دائمًا تسوية معقدة بين ضعف الدولة واحتياجاتها الداخلية، وبين المصالح والرغبات الخارجية. اليوم، تشير الدلائل إلى أن هذه التسوية تفقد مقومات استمرارها.
في سوريا، يتجه المشهد نحو إنهاء هذه «الصيغة الهجينة» عبر القوة السياسية والعسكرية، بدعم إقليمي ودولي واضح. لا يرجع هذا التحول فقط إلى زيادة قوة الدولة، بل لأن هذه الصيغة كانت وظيفية ومؤقتة، ارتبطت بمرحلة الحرب ضد «داعش» وحاجة الأطراف الدولية لشريك ميداني. ومع تغير المعطيات، انتهت وظيفتها، وبالتالي تقلص هامش المناورة. إن ما يحدث في الشمال الشرقي ليس مجرد صراع على الحقوق أو الإدارة المحلية، بل هو اصطدام بين منطق الدولة المركزية وسلطة أمر واقع فقدت مبرر وجودها.
أما في العراق، فيبدو المشهد أكثر غموضًا. فالدولة تعلن صراحة مبدأ «حصر السلاح» بيدها، لكنها تفتقر إلى القدرة أو الإرادة اللازمة لحسم هذا الملف، مما يدفع إلى إدارته عبر التفاوض والتأجيل بدلًا من اتخاذ قرار حاسم. هنا، تبدو «الصيغة الهجينة» مقننة ومدمجة شكليًا في مؤسسات الدولة، لكنها في الواقع مستقلة عنها تمامًا. هذا الوضع، وإن كان قابلًا للاستمرار مؤقتًا، إلا أنه هش للغاية ومعرض للانفجار عند أي اضطراب إقليمي كبير.
في لبنان، يزداد المأزق عمقًا وتعقيدًا. فالسلاح هناك ليس مجرد أداة عسكرية، بل يمثل جزءًا لا يتجزأ من بنية النظام السياسي غير المعلن ومن هوية جماعية تشكلت عبر عقود. لذا، لا يُنظر إليه كمسألة سيادية فحسب، بل كقضية وجودية تمس توازن الكيان اللبناني ذاته. ولهذا السبب، يبدو أي حديث عن تفكيك «الصيغة الهجينة» بمثابة دعوة لإعادة تأسيس الدولة من جديد، وليس مجرد إصلاح لها.
لا يمكن فصل هذه التحولات عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، والذي يشمل الصراع المفتوح أو المؤجل مع إيران، ومسار إعادة تشكيل الشرق الأوسط. فـ«الصيغة الهجينة» لم تكن مجرد ظاهرة محلية، بل كانت أداة رئيسية لإدارة النفوذ الإيراني خارج حدوده، من خلال فواعل مسلحة توفر الردع وتوسع المجال الحيوي دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
اليوم، ومع تصاعد حدة المواجهة بين إيران والغرب وإسرائيل، لم يعد هذا النموذج يمثل ميزة استراتيجية، بل تحول إلى عبء ثقيل. أصبحت الفواعل الهجينة أهدافًا مباشرة، والدول التي تستضيفها تحولت إلى ساحات صراع مكشوفة. لذا، فإن الضغط لإنهاء «الصيغة الهجينة» لا ينبع فقط من رغبة في «بناء الدولة» بمعناها التقليدي، بل من حاجة إقليمية ودولية ملحة لإعادة ضبط خطوط الصراع وحصره بين دول ذات كيانات واضحة، بدلًا من الشبكات الرمادية.
في هذا السياق، يجري إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بناءً على دول مركزية أقوى، أو على الأقل أكثر وضوحًا في اتخاذ القرار، حتى لو كانت ذات طابع سلطوي. فالمطلوب ليس بالضرورة ديمقراطيات مستقرة، بل كيانات قادرة على الضبط الداخلي، وتأمين الحدود، ومنع استخدام أراضيها كمنصات للصراع بالوكالة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التساهل الدولي مع الحسم في سوريا، والحذر الشديد في العراق، والضغط غير المباشر على لبنان.
المفارقة تكمن في أن خطاب «السيادة»، الذي يُفترض أن يكون عاملًا جامعًا، قد تحول هو نفسه إلى ساحة صراع. يُستخدم هذا الخطاب أحيانًا لبناء الدولة، وأحيانًا أخرى كأداة ضغط خارجية، وفي أحيان ثالثة كذريعة لتثبيت وقائع قائمة. في المقابل، لم تعد الجماعات المسلحة قادرة على تقديم نفسها كمشاريع مستقبلية، بل أصبحت مجرد قوى تؤخر الانهيار أو تمنع التحول، دون أن تقدم أي أفق سياسي مقنع.
إن ما نشهده اليوم هو إيذان ببداية نهاية عصر «الصيغة الهجينة» المفتوحة في الشرق الأوسط. لا يعود ذلك إلى استعادة الدولة لعافيتها بشكل مفاجئ، بل لأن التكلفة المترتبة على هذا النموذج فاقت فوائده، داخليًا وخارجيًا. لن يكون هذا الانتقال سهلًا أو متزامنًا بين الدول، وقد يشهد موجات من العنف وتسويات غير مكتملة. لكن الاتجاه العام واضح: المنطقة مقبلة على مرحلة تُطرح فيها الأسئلة الكبرى مجددًا حول من يمتلك القرار، ومن يحتكر القوة، وما إذا كانت الدولة تمثل إطارًا جامعًا أم مجرد واجهة. إنها لحظة انتقالية ثقيلة، لا تُحسم بالشعارات أو النوايا، بل بموازين القوى وإعادة تعريف الشرعية. وما سيأتي بعدها لن يشبه ما كان قبلها، سواء نجحت الدول في استعادة مركزيتها، أو فشلت ودخلت في أشكال أكثر اضطرابًا من الصراع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة