تطورات الشرق السوري: هل ينهار مشروع السويداء الانفصالي مع تراجع نفوذ قسد؟


هذا الخبر بعنوان "معارك الشرق تفتح الباب أمام حل ملف السويداء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عنب بلدي – محمد كاخي
لطالما غذى وجود "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ونموذج "الإدارة الذاتية" في شمال شرقي سوريا فكرة الدولة المستقلة التي طالب بها الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، عقب أحداث تموز 2025 في السويداء. وقد أثنى الهجري على تجربة "الإدارة الذاتية"، ودعا في 17 من تموز 2025 إلى فتح ممر إنساني يربط السويداء بمناطق سيطرة "قسد".
كما شارك الهجري في مؤتمر "وحدة المكونات" الذي عُقد في شمال شرقي سوريا بتاريخ 7 من آب 2025، حيث أكد في كلمته أن اجتماع وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا يمثل نداءً للضمير الوطني واستجابة لصرخة شعب أنهكته الحروب والتهميش. وأضاف: "نحن أبناء طائفة الموحدين الدروز نقف إلى جانب إخوتنا من الكرد والعرب والسريان والإيزيديين والتركمان والشركس، وبقية المكونات لنؤكد أن التنوع ليس تهديدًا بل هو كنز يعزز وحدتنا تحت شعار معًا من أجل تنوع يعزز وحدتنا وشراكة تبني مستقبلنا."
لكن مع اقتراب الحكومة السورية من حسم ملف شمال شرقي سوريا واستعادة سيطرتها على معظم المناطق التي كانت تحت نفوذ "قسد"، تبرز تساؤلات حول مستقبل مشروع الدولة المستقلة الذي دعا إليه الشيخ الهجري مرارًا وطالب بدعم إسرائيلي علني له.
وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، قامت "قسد" بتقديم الدعم المالي لقوات "الحرس الوطني" و"المجلس العسكري" الذي سبقها، كما دربت عناصر نسائية في مناطق سيطرتها. ففي البداية، قام دروز يعملون ضمن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بتمرير مبلغ 24 ألف دولار عبر "قسد" إلى العقيد السابق في جيش نظام الأسد المخلوع، طارق الشوفي، الذي تولى قيادة ما عُرف بـ"المجلس العسكري" في السويداء بعد سقوط النظام.
وفي الفترة ذاتها، أُرسل مبلغ منفصل يقارب نصف مليون دولار من "قسد" إلى "المجلس العسكري"، بحسب مسؤول إسرائيلي واثنين من القادة الدروز في سوريا تحدثوا إلى "واشنطن بوست". وفي إطار دعم "القضية الدرزية"، تولت "قسد" أيضًا تدريب مقاتلين دروز سوريين، بينهم نساء، في مناطق سيطرتها شمالي سوريا. وقد أكد مسؤول كردي رفيع وقائد درزي سوري ومسؤول إسرائيلي سابق أن هذه العلاقة استمرت حتى تاريخ إنجاز تقرير الصحيفة.
يرى المحلل السياسي محمد الحمادة أن حلحلة ملف "قسد" سيكون لها انعكاس كبير على ملف السويداء، لأن انتهاء هذا الملف يعني انتهاء أحد أهم المحرضين على الاستعصاء جنوبي سوريا، وكذلك انتهاء أهم مصادر التمويل للشيخ الهجري. ويشير الحمادة إلى أن المجتمع الدولي جاد في دعمه للحكومة السورية كدولة مركزية موحدة، ولن يدعم أي جهة تنادي بالانفصال أو الإدارة الذاتية.
من جانبه، صرح المحلل السياسي عبد الكريم العمر لعنب بلدي بأن قوات ما يسمى بـ"الحرس الوطني" كانت تعول على "قسد" في استمرار مشروعها التقسيمي والانفصالي، وكانت ترى أن "قسد" مدعومة أمريكيًا وأوروبيًا، وبالتالي يمكن الاعتماد عليها كحليف. إلا أنه اليوم، ومع انكسار مشروع "قسد" ونهايته، أصبح الشيخ الهجري و"الحرس الوطني" في وضع ضعيف جدًا، ولا بد أن الهجري يدرك أن مشروعه على وشك السقوط.
على الرغم من إعلان وزارة الخارجية والمغتربين في سوريا عن التوصل إلى خارطة طريق لحل الأزمة في محافظة السويداء، عقب لقاء ثلاثي في دمشق جمع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ونظيره الأردني، أيمن الصفدي، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، في 16 من أيلول 2025، إلا أن ملف السويداء بقي على حاله منذ إعلان وقف إطلاق النار في تموز 2025.
لا يزال الحل الذي ينتظر الملف غير واضح حتى الآن. ففي الوقت الذي يقول فيه محافظ السويداء، مصطفى البكور، إن قوات "الحرس الوطني" تستفيد من الفوضى وتقتات على معاناة الأهالي وتعمل على تعطيل كل الحلول لأنها تخشى الاستقرار، يواصل الزعيم الروحي للطائفة في السويداء مناداته بالاستقلال. وكان آخرها ما قاله في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، حين دعا إسرائيل بشكل صريح لتبني مشروع الدولة المستقلة في السويداء.
ووصف الهجري في المقابلة، التي نشرت في 13 من كانون الثاني الحالي، إسرائيل بأنها دولة تحكمها قوانين دولية، وأنها أيديولوجيا يسعى للوصول إليها. وتابع: "نحن نرى أنفسنا جزءًا لا يتجزأ من وجود دولة إسرائيل، كذراعٍ أقامت تحالفًا معها، هذه العلاقة دولية وذات أهمية بالغة، إسرائيل هي الضامن الوحيد والجهة المخولة بالاتفاقات المستقبلية."
وأكد الهجري عدم وجود أي صلة بما أسماه "نظام دمشق"، مشبهًا أيديولوجيا الحكومة السورية بتنظيم "القاعدة"، الذي يصعب على المجتمع الدرزي العيش في وسطه. إلا أن إسرائيل أو الولايات المتحدة لم تصرحا علنًا بخصوص دولة مستقلة في الجنوب السوري، ويكتفي الساسة الإسرائيليون بالتصريح عن حماية "الإخوة الدروز" جنوبي سوريا، دون الحديث عن دعم دولة مستقلة.
وعلى عكس موقف الهجري، قال رئيس الهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، موفق طريف، خلال مقابلة تلفزيونية في أيلول 2025، إنه يرجو أن يأخذ الدروز حقهم في سوريا من خلال الدولة السورية. ورد طريف على سؤال عن دعمه دعوات تقرير المصير والانفصال، فقال: "يحق لكل طائفة أن تكون لها خصوصية محددة، وهناك عدم ثقة بالدولة السورية، ويجب إرجاع الثقة، يجب إعطاء كل طائفة حقها الديني والسياسي". وحينما سألته المذيعة إن كان هذا الحق يتحقق من خلال الدولة السورية، قال طريف: "هذا ما نرجوه ونتوخاه".
زار مدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء، سليمان عبد الباقي، واشنطن، وكشف في 22 من كانون الثاني الحالي عن لقائه بكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية. وقال عبد الباقي في منشور عبر حسابه في "فيسبوك" إنه "للمرة الأولى، وبدعم من اللوبي السوري، والجالية السورية الأمريكية طُرحت قضية السويداء أمام كبار صناع القرار الأمريكيين كما هي، بلا تزييف ولا أوهام".
وأكد أنه تم الطلب بوضوح من المسؤولين الأمريكيين أن يعلنوا أنهم لا يدعمون أي مشروع انفصالي، وأن السياسة الأمريكية تقوم على سوريا موحدة، حتى يدرك أهل السويداء أنهم يُساقون خلف سراب، وأن حكمت الهجري زجّ بهم في هذا المأزق بعد أن خدعهم. يرى المحلل السياسي محمد الحمادة أن الترتيبات التي تجري في الولايات المتحدة بمشاركة مدير الأمن الداخلي عبد الباقي هي ترتيبات أمنية، لذلك فإن طريق الحل في السويداء مختلفة عن شرقي سوريا، إذ ستدخل قوات الأمن السوري وتنتشر، وسيتم نزع سلاح الفصائل الدرزية دون تدخل إسرائيل.
فيما يرى المحلل السياسي عبد الكريم العمر أن عبد الباقي يحمل مشروعًا وطنيًا داعمًا للدولة السورية ووحدة أراضيها، ويدرك أن هناك دعمًا أمريكيًا لسوريا ووحدتها، وأن مشروع الانفصال الذي ينادي به الشيخ الهجري هو مشروع ساقط لا يمكن أن يستمر، ليس بسبب إصرار الدولة والشعب السوري على وحدة سوريا، إنما أيضًا لأن هناك قرارًا دوليًا بوحدة الأراضي السورية.
ونقل المقال عن سليمان عبد الباقي، مدير الأمن الداخلي في محافظة السويداء، قوله: "عندما تستمع إلى خطابات حكمت الهجري في سوريا، يخيل إليك أنه على اتصال مباشر بالرئيس الأمريكي والكونجرس على مدار الساعة، لكن ما إن تأتي إلى واشنطن وتلتقي وجهًا لوجه بمسؤولي "البنتاجون" وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب ومسؤولي البيت الأبيض، حتى يتضح حجم الوهم الذي يبيعه الهجري لأتباعه، فلا أحد هنا سمع بخرافاته، ولا أحد يعيرها أي اهتمام."
تدخلت إسرائيل عسكريًا بشكل مباشر عندما هاجمت القوات الحكومية السورية مدينة السويداء. وقصف الجيش الإسرائيلي مبنى هيئة أركان الجيش السوري، ومحيط قصر الشعب الرئاسي، وأهدافًا عسكرية تابعة للجيش السوري بالقرب من السويداء في 16 من تموز 2025. وهدد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، حينها بأن إسرائيل ستواصل العمل بقوة في السويداء لتدمير القوات التي هاجمت الدروز حتى انسحابها، وتابع كاتس أن وتيرة الضربات بسوريا سترتفع إذا لم تفهم دمشق الرسالة، مضيفًا أن جنوبي سوريا سيكون منطقة منزوعة السلاح.
وتصر إسرائيل على "ممر إنساني" يربط إسرائيل بالسويداء، وكانت قد عرقلت مفاوضات الاتفاق الأمني في أيلول 2025 بسبب رفض الحكومة السورية طلب الجانب الإسرائيلي بفتح هذا الممر. وعاد الحديث عن الممر في كانون الأول 2025، حين قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إنه أبلغ ترامب بوجود عقبات أمام الاتفاق الأمني مع سوريا مثل إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح وحماية الدروز وفتح ممر إنساني.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد الحمادة أن الموقف الإسرائيلي تغير بضغوطات أمريكية، وأن الإسرائيليين في النهاية يهتمون بمصالحهم فقط وكانوا يستخدمون ورقة السويداء للضغط على الحكومة السورية. ويضيف أن ما جرى في باريس تضمن تطمينات للجانب الإسرائيلي، وما حدث مع إسرائيل هو حالة متقدمة لذلك هي لن تتدخل في السويداء، وعلى الأرجح لن يكون هناك حل أمني في السويداء.
من جهته، يرى المحلل السياسي عبد الكريم العمر، أنه بحسب ما صدر عن المفاوضات الأخيرة بين الجانبين السوري والإسرائيلي، فإن إسرائيل ستضطر إلى الانسحاب من المواقع التي احتلتها بعد 8 من كانون الأول 2024، ولن تتدخل في الشأن الداخلي لسوريا، ما يعني أن ملف السويداء هو جزء من هذا الاتفاق حتى وإن لم يتم الإفصاح عن ذلك. وبالرغم من محاولة إسرائيل اللعب على وتر حماية الدروز في السويداء، لم يكن ذلك لأجل الهجري ودعم استقلال السويداء، فهذا لن يحصل ولن يستمر، وستسحب إسرائيل يدها من هذا الملف، وتنتهي حالة "الحرس الوطني" كما انتهى غيرها من المشاريع الانفصالية، بحسب المحلل عبد الكريم العمر، لأن هناك ضغطًا أمريكيًا كبيرًا على إسرائيل بوقف عدوانها على سوريا، ووقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية، إضافة إلى إصرار عربي ودولي على وحدة سوريا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة