فرنسا تحول 32 مليون يورو من أصول رفعت الأسد لدمشق: أبعاد قانونية وسياسية للخطوة


هذا الخبر بعنوان "قراءة قانونية وسياسية في تحويل أصول رفعت الأسد لدمشق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد ملفات الأموال السورية المحجوزة في الخارج تطورات متسارعة، وسط متابعة حثيثة من المجتمع الدولي والمراقبين المحليين لممتلكات الشخصيات النافذة المرتبطة بالنظام السوري السابق. وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة الفرنسية عن استعدادها لتحويل مبلغ 32 مليون يورو من أصول رفعت الأسد إلى الحكومة السورية، وذلك بعد سنوات طويلة من الإجراءات القانونية والتدقيق.
من جانبه، أكد مدير "المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، مازن درويش، أن الجهود مستمرة لتوسيع نطاق المصادرات لتشمل أصولًا إضافية قد تتجاوز قيمتها 80 مليون يورو، بما في ذلك عقارات جديدة في فرنسا، وذلك بموجب بروتوكولات متفق عليها بين الحكومتين. وتُشير التوقعات إلى أن الحكومة السورية ستحدد أولويات إنفاق هذه الأموال قبل وصولها، في حين لم تفرض فرنسا أي شروط على كيفية استخدامها.
يُذكر أن رفعت الأسد، عم رئيس النظام السوري المخلوع، بشار الأسد، قد توفي في 21 من كانون الثاني الحالي عن عمر ناهز 88 عامًا، إثر تدهور مفاجئ في حالته الصحية. ويحمل رفعت الأسد سجلًا حافلًا بالصراعات العسكرية والسياسية، بدءًا من دوره في تثبيت أركان حكم عائلة الأسد في السبعينيات، مرورًا بأحداث الثمانينيات في حماة، وانتهاءً بسنوات النفي الطويلة والملاحقات القضائية في أوروبا بتهم اختلاس أموال الدولة السورية.
وقد أدانته المحاكم الفرنسية في 17 من حزيران 2020 بالسجن أربع سنوات بتهم اختلاس أموال عامة سورية وغسل أموال، مع مصادرة ممتلكات تُقدر بعشرات الملايين من اليورو.
أثارت خطوة استعداد فرنسا لتحويل جزء من أصول رفعت الأسد إلى الحكومة السورية اهتمام المراقبين الدوليين، الذين اعتبروا هذا الإعلان مؤشرًا على قوة القانون وقدرته على تنفيذ المصادرات القضائية على الأموال العامة المنهوبة، وليس قرارًا سياسيًا.
وفي هذا الصدد، أوضح الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أن هذا التحرك يُقرأ من منظور قانوني بحت، بوصفه تنفيذًا لنتائج المصادرة القضائية النهائية الصادرة عن القضاء الفرنسي بحق أصول ثبت أنها ناتجة عن اختلاس أموال عامة سورية وغسلها داخل الإقليم الفرنسي. وأضاف الكيلاني لعنب بلدي أن هذا الإجراء لا يُفهم على أنه تصرف سياسي أو قرار سيادي مستقل، "بل هو أثر قانوني مباشر لحكم جزائي قضى بمصادرة الأموال غير المشروعة، مع الالتزام بالمبدأ المستقر في الفقه القانوني الدولي والداخلي القاضي بإعادة المال إلى مالكه الأصلي".
وبما أن أصل المال مختلس من المال العام السوري، فإن الحكومة السورية تُعد المتضرر الأصلي، بينما تُعد فرنسا متضررًا ثانويًا بحكم استعمال هذه الأموال داخل إقليمها وما ترتب على ذلك من أضرار. ويُشير التحويل الجزئي والمرحلي إلى أن فرنسا تتعامل مع المصادرة بوصفها إجراء مؤقتًا لا يُنشئ حق ملكية، وأنها تحتفظ بالأموال فقط إلى حين استكمال تقدير الأضرار والتكاليف التي لحقت بها، تمهيدًا لإعادة الرصيد الصافي إلى صاحب الحق الأصلي.
ويُعد هذا الإجراء متوافقًا مع مبدأ "إعادة الحال إلى ما كان عليه" المعتمد في الفقه المدني، ومع المادة "57" من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي تنص صراحة على إعادة الأموال المختلسة من الممتلكات العامة إلى الدولة المتضررة، وفقًا لما أضافه الكيلاني.
يقف وراء هذا التحرك إطار قانوني واضح يحدد الإجراء المتبع وكيفية العمل به أصولًا، بحسب القانون الدولي. وأفاد الخبير القانوني المعتصم الكيلاني أن الإجراء تحكمه قاعدة فقهية أساسية مفادها أن المال غير المشروع يُرد إلى المتضرر الأصلي متى ثبت مصدره، وذلك بعد جبر كامل الضرر الذي لحق بالمتضرر الثانوي.
وأوضح الكيلاني أن فرنسا، بوصفها الدولة التي استُخدم إقليمها لغسل الأموال، تملك حق استيفاء تكاليف التحقيق والإدارة والحراسة وأي أضرار اقتصادية أو قانونية لحقت بها، لكنها لا تملك حق الاحتفاظ بالأموال أو تملكها. أما الحكومة السورية، وبوصفها المتضرر الأصلي، فإن حقها في استرداد الأموال هو حق قانوني أصيل لا ينشأ عن اتفاق سياسي، بل عن ثبوت ملكيتها الأصلية للمال.
ويترتب على الحكومة السورية، من زاوية قانونية عملية، بحسب الكيلاني، أن توفر إطارًا داخليًا يحدد كيفية إدخال الأموال المستردة إلى الخزينة العامة أو تخصيصها، وأن تتعامل مع عملية الاسترداد وفق مبدأ حسن النية في العلاقات الدولية، ولا سيما إذا اقترنت عملية التحويل بآليات رقابة أو شروط شفافية تفرضها الدولة الحاضنة استنادًا إلى تشريعها الداخلي. ويُعد هذا التنظيم الداخلي شرطًا تقنيًا لتسهيل التنفيذ المرحلي لبقية المصادرات، ولا يُنشئ الحق ولا ينفيه.
يترتب على الحكومة السورية، من زاوية قانونية عملية، أن توفر إطارًا داخليًا يحدد كيفية إدخال الأموال المستردة إلى الخزينة العامة أو تخصيصها، وأن تتعامل مع عملية الاسترداد وفق مبدأ حسن النية في العلاقات الدولية.
المعتصم الكيلاني، خبير قانوني ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي
يُسلط تحرك القضاء الفرنسي في هذه القضية الضوء على تحول مهم في الاجتهاد القضائي الدولي، واعتبره القانونيون تأكيدًا على حق سوريا المتضررة في استرداد أموالها. ويُلخص الكيلاني التحرك الفرنسي بعدة بنود تحدد معالمه ودوافعه:
يشرح الكيلاني أهمية التعاون القانوني بين سوريا وفرنسا، بأنها تنبع من كونه شرطًا وظيفيًا لتطبيق القاعدة الفقهية التي تقضي بإعادة المال إلى المتضرر الأصلي بعد جبر ضرر المتضرر الثانوي. ويسمح هذا التعاون بتبادل الوثائق القضائية اللازمة لتتبع الأصول وتوسيع نطاق المصادرات، ويتيح في الوقت نفسه تحديد الأضرار التي لحقت بفرنسا بدقة واستيفاءها دون المساس بجوهر الحق السوري.
كما يضمن التعاون ألا تتحول المصادرة إلى احتجاز دائم للأموال، وألا يُفرغ مبدأ استرداد الأصول من مضمونه العملي، بحسب ما قاله الكيلاني. وعلى مستوى أوسع، يُسهم هذا التعاون في ترسيخ سابقة قانونية دولية مفادها أن مكافحة الفساد العابر للحدود لا تكتمل بالمصادرة وحدها، بل تنتهي بإعادة المال إلى مالكه الأصلي وفق قواعد واضحة وشفافة، وهو ما يُعزز الثقة في النظام القانوني الدولي ويحد من ظاهرة الملاذات الآمنة للأموال المنهوبة، وفق ما ختم به الخبير القانوني المعتصم الكيلاني.
يعتقد محللو السياسة أنه لا يمكن فصل التحرك الفرنسي في ملف أصول رفعت الأسد عن سياقه السياسي الأوسع، حتى وإن كان مستندًا في جوهره إلى مسار قضائي بحت. ويطرح إقدام باريس على المضي قدمًا في تحويل جزء من الأموال المصادرة تساؤلات تتجاوز الإطار القانوني، لتلامس حسابات السياسة الخارجية، وطبيعة العلاقة مع دمشق.
وهنا، يرى الكاتب السياسي درويش خليفة أنه لا شك أن ثمة بُعدًا سياسيًا لهذا الملف، يرتبط بطبيعة العلاقة الجديدة بين حكومتي البلدين، ولا سيما فيما يتعلق بعودة الشركات الفرنسية للاستثمار في سوريا، أو استئناف نشاط الشركات التي توقفت عن العمل بعد دخول تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى المنطقة الشرقية من سوريا. كما يتصل الأمر بمطالب فرنسية تتعلق بتوسيع مشاركة المكوّنات السورية في صناعة القرار السياسي.
مع ذلك، يعتقد الكاتب خليفة أن هذا المسار يبقى غير كافٍ بالنسبة لضحايا رفعت الأسد، الذين عانوا ويلات جرائمه بحق السوريين، سواء عبر استهداف أحياء دمشق في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أو من خلال قيادته الحملة العسكرية الوحشية ضد أهالي مدينة حماة. وعليه، ينبغي للحكومة السورية أن تصوغ مذكرة رسمية تطالب بإعادة جميع أموال رفعت الأسد وأبنائه المصادَرة في أوروبا كاملة، لا في فرنسا وحدها.
يُذكر أن اسم رفعت الأسد ارتبط بواحدة من الحقب السوداء في تاريخ سوريا، حيث كان المسؤول المباشر عن مجزرة "سجن تدمر" في حزيران 1980، والتي تلت محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها حافظ الأسد. كما قاد العمليات العسكرية في مدينة حماة عام 1982، وهي الأحداث التي أدت إلى مقتل وتغييب عشرات الآلاف من السوريين وتدمير أحياء كاملة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة