الإعلام وإقناع الجمهور المتعنت: استراتيجية الكلمة كمرآة لكسر الحواجز لا رصاصة للاستفزاز


هذا الخبر بعنوان "الكلمة كمرآة لا كرصاصة.. كيف يقنع الإعلام الجمهور المتعنت" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعد إقناع الجمهور المختلف والمتعنت عبر الصحافة مهمة بطيئة ودؤوبة، لا ترقى إلى معركة خطابة أو مباراة لكسب النقاط، بل تشبه تفكيك جهاز معقد قطعة قطعة دون كسره أو إشعار صاحبه بمحاولة سرقته. في سنوات الحرب في سوريا، تفكك المجتمع إلى كيانات وجزر اجتماعية متناقضة، ويعود السبب العميق إلى عقود من الظلم وإهمال النظام الحاكم لبناء الهوية الوطنية. اليوم، يدور صراع على الهويات ضمن صراع أكبر على بناء الدولة، وفي ظل انعدام الثقة المتراكم، يجد الإعلام نفسه في موقف حرج.
كيف يمكن الخروج من هذا المأزق، خاصة وأن جزءاً من الجمهور يعتبر كل رواية خطاباً عدائياً وإلغائياً، وتثبيتاً لسرديته الخاصة؟ هل نجح الإعلام يوماً في ردم الهوة؟ لقد حدث ذلك لأهداف نبيلة، مثل قضايا اللقاحات والأمراض، ولأهداف خبيثة كما في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست/Brexit)، وهو ما كشف عنه الفيلم الوثائقي “الاختراق الكبير” (The Great Hack)، حيث تلاعبت شركتا “فيس بوك” و“كامبريدج أناليتيكا” (Cambridge Analytica) بالرأي العام عام 2016. السؤال هنا: هل الهدف هو تضليل الجمهور أم تفتيت تعنّته السلبي؟ هذه الإجابة تضعنا في مأزق الإعلام الأخلاقي والمسؤول.
تتداخل عوامل نفسية وغريزية وسياسية وأيديولوجية في صراع السرديات. لمواجهة هذا التحدي أخلاقياً، يتطلب الأمر من الإعلام أمرين: الأول، فهم وتفكيك طبيعة الصراع. والثاني، التركيز على الهدف النبيل من كسر التعنّت. فيما يخص موقف الجمهور في سرديات الحرب، يُعد موقف الجمهور الأمريكي من حرب فيتنام مثالاً مهماً. في البداية، كان الرفض الشعبي محدوداً، وكانت المعارضة تُصوَّر كخيانة. لم يتبنَّ الإعلام خطاب أن “الحرب خطأ” مباشرة، بل نقل صوراً يومية: توابيت، جنود مرهقون، قرى محترقة، وتناقضات بين تصريحات “البنتاجون” والواقع. لم يتحول الجمهور فجأة، لكنه بدأ يشك في الرواية الرسمية. وكانت لحظة “هجوم تيت” فاصلة، لأن الإعلام عرض الحدث كما هو، لا كما قيل إنه يجب أن يُفهم. انكسر التعنّت الوطني عندما لم تعد القصة متماسكة.
ما يهمنا هنا ليس الحرب بحد ذاتها، بل آلية تغيّر وعي الجمهور، والتعنّت بوصفه سلوكاً اجتماعياً يمكن أن تستثمره أحزاب وجماعات وسلطات لتمرير أجنداتها، فهي بحاجة لشحن المجتمع وتوجيه طاقاته نحو أهدافها. هناك قواعد تدار وفقها المعركة الإعلامية في مواجهة التعنّت، وأول ما يجب فهمه أن المتعنّت لا يقرأ ليقتنع، بل ليحمي موقفه، ويكون دماغه في وضعية دفاع وبحث عن الثغرة لا الحقيقة. أي لغة هجومية في الإعلام، أو محاولة لتمرير شعور بالتفوق الأخلاقي عبر الرسالة، تجعله أكثر تصلّباً.
يجب ألا تبدأ الصحافة بالحجة، بل بخفض منسوب التهديد، من خلال إعادة تعريف ساحة النقاش، ونقل النقاش من الهوية إلى الوقائع خطوة حاسمة، لأن الهويات تُقاتل، أما الوقائع فيجري فحصها ومحاكمتها ملياً. أكبر الأخطاء تكون عبر الدخول من باب “أنا وأنت” (أنا على حق وأنت مخطئ)، والباب الواسع لكسر التعنّت هو “ما الذي نعرفه يقيناً؟ وما الذي نختلف عليه؟”. البدء بالإشارة إلى نقطة صحيحة أو مبرَّرة في موقف المتعنّت يربكه، وهذا يأتي عبر الاعتراف الذكي الجزئي، لزعزعة ثنائية “أنا محق بالكامل وأنت مخطئ بالكامل”، ما يؤدي إلى اختراق نفسي محدود لكنه عالي القيمة. بعد ذلك تُستخدم الأسئلة بدل الاستنتاجات، والصحافة الجيدة لا تقدم محتوى جافاً ومباشراً بصيغة “هذا خطأ وهذا صواب”، بل تعتمد مقاربة “إذا كان هذا الأمر صحيحاً، فكيف نفسّر ما يحصل”. السؤال يجبر القارئ على إكمال الجملة داخل رأسه، وعندها يصبح شريكاً في التفكير بدل أن يشعر بأنه يتعرض للهجوم.
يجب تقديم الأدلة كمرآة للجمهور لا كرصاصة يشعر أنها تهدده أو تستفزّه، وهذا يتطلب الاعتماد على الأرقام والوثائق والشهادات، دون استعراض أو إفراط يأتي بأثر معاكس. ليس مطلوباً أن يشعر المتعنّت بأنك تحاصره، ودليل منطقي علمي واحد وفي السياق الصحيح، أفضل من لائحة كاملة. تعتبر اللغة حاسمة في الأزمات ومع تعنّت الجمهور، لأن كل كلمة شحن أو سخرية أو وصم أخلاقي تعني تشبثاً بالموقف وخسارة فورية. الصحافة التي تُقنع المختلف المتعنّت تكتب بلغة هادئة باردة ودقيقة، والصحفي ليس قاضياً أو واعظاً، بل مهندس شك صحي، يعتمد على الوقائع لا على الشتائم. لا يمكن تغيير موقف المتعنّت الآن، بل يمكن زعزعة يقينه عندما يدور في رأسه سؤال واحد جديد، والتغيير الحقيقي يحدث لاحقاً، حين يكون وحده. يتطلب الأمر مساراً تحريرياً يحترم عقل القارئ ولا يستفزه، يكون قادراً على إعادة تشكيل زاوية النظر ببطء، من دون أن يترك آثار كسر، ويحتاج إلى مؤازرة كل القطاعات، وأولها المجتمع المدني. إذا استطعنا تمرير هذا الأسلوب في الصحافة والإعلام، فهل الأمر ممكن في وسائل التواصل الاجتماعي المنافسة، لكسر دائرة الإنكار والعنف والتصلّب في الموقف؟ هذا سؤال المليون هذه المرة، وللحديث بقية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة