تحولات جيوسياسية: روسيا تستفيد من أزمة غرينلاند وتصدعات «التضامن الأطلسي»


هذا الخبر بعنوان "روسيا تجد الدفء في جليد غرينلاند… وتصدّعات «التضامن الأطلسي»" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تراقب روسيا، من منظور الكرملين، التطورات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها الساحة الدولية، مستفيدةً من الصراعات الدائرة في معسكر خصومها. يصف سياسيون وخبراء مقربون من الكرملين تحركات الرئيس دونالد ترمب بأنها مغامرات، ويضعون سيناريوهات ترجح كفة روسيا في أي منها.
لم تأتِ استعارة التاريخ ومجرياته من قبيل المصادفة، فقد أثارت السجالات الحادة في منتدى دافوس شهية الروس لعقد المقارنات. يرى البعض في الغرب أن تصرفات ترمب تقوض القانون الدولي وتفتح المجال أمام قادة مثل بوتين لتحقيق طموحاتهم التوسعية، مشيرين إلى ما فعله الرئيس الأميركي بفنزويلا وما يفعله حول غرينلاند، ومقارنين ذلك بعمليات روسيا في جورجيا عام 2008 وضم القرم عام 2014 والحرب في أوكرانيا.
لكن السياسيين الروس يستنكرون هذا الفهم، ليس دفاعاً عن القانون الدولي، بل لأن مبدأ سيادة الدول تم تجاهله لصالح حق تقرير المصير، كما حدث في استفتاء القرم والمناطق الأوكرانية التي ضمتها روسيا. كتب ديميتري مدفيديف، المقرب من بوتين، أن ترمب يسعى لترسيخ اسمه في التاريخ من خلال ضم غرينلاند، وأن يصبح مثل رئيس روسيا. ويؤكد مدفيديف أن تنفيذ الشطر الأخير مستحيل، فبينما استعادت روسيا أراضيها التاريخية في أوكرانيا، لم تكن لغرينلاند علاقة مباشرة بالولايات المتحدة.
هذا الرفض للمقارنة لا يمنع النخب الروسية من التشفي في أوروبا، وإبداء الارتياح لأن تحركات ترمب بدّلت أولويات المعسكر المعادي لروسيا، وتهدد بإعادة رسم ملامح المواجهة بين روسيا والغرب. وبعد تغريدة ساخرة لمدفيديف حول غرينلاند، توقف عند النقطة الأساسية لموسكو: «يبدو الحدث العبثي في دافوس مثيراً للاهتمام. فبدلاً من تركيز الاهتمام على أوكرانيا المنهكة والميتة، يناقشون مصير غرينلاند المتجمدة».
وفقاً للقراءة الروسية، فإن السجالات القائمة بين واشنطن والعواصم الأوروبية حول مصير غرينلاند لن تمنع ترمب من تنفيذ مخططه. كتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية أن ترمب في أوج قوته، وأن هذا العام، الذي بدأه باختطاف الرئيس الفنزويلي، سيكون حافلاً بمفاجآته المعهودة. يرى المعلق أنه ليس لدى ترمب ما يخسره، فانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) تتطلب منه تهيئة مكانه في التاريخ وصياغته بعناية فائقة.
اختار ترمب السيطرة على نصف الكرة الغربي وضم غرينلاند كفكرة كبرى لترسيخ «عرشه في التاريخ». ترى النخب الروسية أن تطبيق «مبدأ مونرو» وفرض سيطرة أميركية كاملة في النصف الغربي للكرة الأرضية غير ممكن خلال فترة رئاسة ترمب، لكن ضم غرينلاند قابل للتحقيق تماماً خلال السنوات الثلاث المتبقية من ولايته. لذلك، تأتي غرينلاند في المقام الأول لأولوياته حالياً. ينبغي، وفقاً للمعلق الروسي، أن تجعل غرينلاند من ترمب «الأعظم» لكونه أول رئيس منذ أواخر القرن التاسع عشر يوسع أراضي الولايات المتحدة بهذا الشكل الكبير. ويضيف: «سوف يستولي ترمب ببساطة على غرينلاند - من الواضح أنه لن يتراجع أو يُحوّل تركيزه إلى قضية أخرى. غرينلاند تأتي أولاً وليس هناك أي طرف قادر حالياً على منعه من تنفيذ فكرته».
كان من المفترض أن يكون المنتدى الاقتصادي الحالي في دافوس «منصةً للجهود الغربية» لإضعاف فرص موسكو في أوكرانيا. وكان من المتوقع أن يغادر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المنتدى بفهم أوسع للضمانات الأمنية لبلاده، واتفاقية «ازدهار لأوكرانيا» بقيمة 800 مليار دولار. لكن السجالات حول غرينلاند بدّلت كل التوقعات، وتم إلغاء خطط للقاء بين ترمب وزيلينسكي، وبقي الأخير في كييف محاصَراً، فيما خاض «الكبار» في المنتدى سجالات نارية لا علاقة لها بمصير أوكرانيا.
راقبت روسيا بدقة الخطاب الناري للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وشعرت بارتياح لتبدل أولويات أوروبا وبروز تصدع كبير في المعسكر الغربي. هذا الخطاب، كما وُصف في موسكو، رثى رسمياً الانهيار المبكر لفكرة التضامن الأطلسي. ترى موسكو أن المخاوف الأوروبية التي برزت حيال تكريس «عالم بلا قواعد» لا تعكس واقعاً جديداً، لكن صدور هذا الحديث عن أطراف غربية يُبرز حجم التحولات الحاصلة في المجتمع السياسي الغربي.
في هذا الإطار، يبرز عنصران مهمان ضمن مكاسب موسكو المباشرة. الأول يتمثل في إعادة توجيه الأنظار نحو الصين، وحاجة أوروبا إلى مزيد من الاستثمارات الصينية المباشرة. هذا التوجه مغرٍ لموسكو في مواجهتها المصيرية. العنصر الثاني هو «بناء جسور وتعاون أكبر مع دول (بريكس) و(مجموعة العشرين)»، مما يعني أن تطبيع العلاقة مع روسيا قد يكون مهماً في مواجهة تصرفات ترمب التي تهدد أمن القارة الأوروبية. يضاف إلى هذا الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، وغموض مصير التضامن في حلف الأطلسي. فجأة، بدا أن روسيا، القوة النووية الكبرى، أصبحت لا غنى عنها مجدداً. اللافت أن هذه السجالات تأتي في وقت تُبدي فيه موسكو تحفظات على التطبيع السريع مع أوروبا، لسان حالها يقول: «ادفعوا ثمن تصرفاتكم معنا».
قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: «من غير المرجح أن نتمكن من التوصل إلى أي اتفاق مع القادة الأوروبيين الحاليين: لقد غرقوا في كراهية روسيا». وتشير النتائج إلى أن «الاتحاد الأوروبي في أزمة عميقة، وحلف شمال الأطلسي في أزمة عميقة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على وشك الانهيار». وبدلاً من البحث عن مخرج، «تستعد أورسولا فون دير لاين، وميرتس، وستارمر، وماكرون، وروته، بجدية لحرب ضد روسيا، ولا يخفون ذلك».
لكن هذا لا يعني أن موسكو لا تسعى لتوظيف الحدث سريعاً. وحسب لافروف، يحتاج الأوروبيون «ليس إلى إعلان اتصالات مع بوتين، بل إلى الانخراط في حوار». هذه هي الفرصة الوحيدة من وجهة النظر الروسية للحفاظ على بصيص من أوروبا السابقة، لأن «أوروبا المستقبلية، على ما يبدو، ستشهد تغييراً على الخرائط»، وفقاً لمعلق سياسي. يقول محللون إنه من المستبعد توقع انهيار سريع لحلف الأطلسي، لكن «الثغرة في سفينة التضامن الأطلسي ستكون خطيرة، قادرة على إغراقها خلال العاصفة الجيوسياسية القادمة».
مع تسرع البعض في موسكو لرصد أرباح روسيا من المواجهة الأميركية – الأوروبية، برزت مخاوف تجاه تحول أوروبا بقوة نحو حشد طاقات عسكرية في غرينلاند، مما يؤثر على التوازنات في منطقة القطب الشمالي، التي ستكون ساحة لصراع أكبر تشارك فيه روسيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا.
تقول أوساط روسية إن تأثيرات التباينات الأوروبية – الأميركية بشأن غرينلاند سوف تنعكس سريعاً على الملف الأوكراني، خصوصا في تقليص الاهتمام على ملف الأمن الأوروبي الشامل. ووفقاً لمحللين، فإن واشنطن «بدأت تعويد الأوروبيين على دفع تكاليف أمنهم الأوروبي بأنفسهم - والآن سيدركون أن عليهم الدفع فعلياً».
يقول الكاتب السياسي البارز كيريل ستيرلنيكوف إن الأوروبيين «أغضبوا روسيا بشدة، أملاً في الحصول على مظلة أمنية أميركية. الآن اتضح أن الأخ الأكبر يركز على نصف الكرة الغربي. بعبارة أخرى، أوروبا، التي تتطلع إلى أوكرانيا، ليس لديها خيار (طرد الولايات المتحدة)، فهي لا تستطيع فقط القتال من أجل أوكرانيا بمفردها، بل إنها عاجزة حتى عن مواجهة مخاوفها الأمنية. لذا ليس من المستغرب أن يقرر ترمب استغلال الخوف من روسيا في أوروبا، المُستمد من الفكر الأنغلوسكسوني، لتسهيل عملية (الضغط) على غرينلاند. بعبارة أخرى، حفر الأوروبيون حفرةً بأيديهم. ولتجنب الوقوع فيها، سيتعين عليهم التخلي عن غرينلاند، حيث سيتولى ترمب زمام الأمور».
تعني فكرة إجبار الأوروبيين على مراجعة أولوياتهم في التعامل مع المخاوف الأمنية، أن تتغير النظرة فعلاً إلى العلاقة مع موسكو، وأن يتراجع حجم التأييد غير المشروط للأوكرانيين. وهذا، مع السيطرة الفعلية لموسكو على الأرض الأوكرانية وميزان القوى العسكري المائل بقوة لصالح الكرملين، سوف يرمي بثقل مهم على بلورة أي صفقة سياسية مستقبلية.
العنصر الثاني اللافت هنا، أن بعض المحللين الروس بدأوا يضعون تصورات المرحلة المقبلة على أساس انتصار ترمب في معركته حول غرينلاند. وكتب المستشار السياسي رامي الشاعر، المقرب من الخارجية الروسية: «أعتقد أن غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة ستفتح آفاقاً أخرى للتنمية بين روسيا والولايات المتحدة، وأرى دوراً مهماً لرئيس الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة والممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي الخارجي كيريل دميترييف، وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في طرح مشروعات روسية – أميركية مشتركة في القطب الشمالي. لقد أثبتت أوروبا فشلها وهُزمت في أوكرانيا ولم يعد لها دور في التوازنات الاستراتيجية الجديدة، وأعتقد أن الحوار الجدي حول مستقبل العالم يجب أن يجري بين روسيا والولايات المتحدة والصين والهند».
ويضيف الشاعر: «كما استخدم الغرب (الناتو) أوكرانيا شرقاً لتهديد واستنزاف روسيا، تقف أوروبا اليوم عاجزة أمام الولايات المتحدة بعد فشل كل المحاولات شرقاً، وما أسفرت عنه من فقدان الدولة الأوكرانية ليس فقط مساحات شاسعة تقدَّر بربع مساحة البلاد، وإنما أيضاً في فقدانها مقومات الدولة، وبينما تدور المعارك اليوم حول أوديسا، فإنه بفقدان أوكرانيا لهذه المدينة الروسية بالأساس على البحر الأسود، ستفقد أوكرانيا مخرجها الوحيد على البحر، وهي خسارة استراتيجية فادحة، تشبه خسارة أوروبا لغرينلاند».
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة