صراع السيادة الرقمية: أوروبا تفرض قيودًا تنظيمية وأميركا ترد بالتهديدات


هذا الخبر بعنوان "بين ضفتَي الأطلسي… أوروبا تُضيّق الخناق وأميركا تتوعّد" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد الصراع بين ضفتي الأطلسي مقتصرًا على الحدود الجغرافية أو الرسوم الجمركية التقليدية، بل امتد ليشمل عمق "السيادة الرقمية". فمن المتوقع أن يشهد عام 2026 ذروة نزاع تقني غير مسبوق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث تتصادم رغبة واشنطن في حماية عمالقة التكنولوجيا مع إصرار بروكسل على فرض قبضتها التنظيمية الصارمة.
يفرض الاتحاد الأوروبي قوانين تنظيمية صارمة على شركات التكنولوجيا العاملة في سوقه، مثل قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الخدمات الرقمية (DSA)، التي تضع ضوابط على ممارسات الهيمنة للمنصات الكبيرة وتطالب بالشفافية وتقييد بعض الممارسات. في المقابل، ترى الولايات المتحدة أن هذه القواعد تُثقل كاهل الشركات الأميركية الكبرى وتُعاملها بشكل غير عادل مقارنةً ببقية الشركات.
في هذا السياق، أوضح أمين أبو يحيى، المتخصص في الذكاء الاصطناعي من واشنطن، في حديث لـ"النهار"، أن التشدد التنظيمي الأوروبي الحالي، خاصة عبر تشريعات مثل (DMA) و(DSA) وAI Act، يؤثر بشكل مزدوج على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها أبل وغوغل وميتا وغيرها. فمن جهة، تهدف هذه القوانين إلى تعزيز المنافسة العادلة، وحماية خصوصية المستخدمين، والحد من المخاطر النظامية التي تفرضها هيمنة المنصات الكبرى، وهي أهداف مشروعة في ظل التركّز الكبير للسوق الرقمية.
ومن جهة أخرى، يفرض هذا الإطار التنظيمي تكاليف امتثال مرتفعة جداً تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً، خصوصاً على الشركات الكبرى. كما يؤدي إلى تأخير طرح ميزات وخدمات جديدة في أوروبا، وأحياناً إلى إدخال تعديلات جذرية على نماذج الأعمال، مثل التغييرات في متاجر التطبيقات، وأنظمة الإعلانات المستهدفة، أو آليات الإشراف على المحتوى. وأشار أبو يحيى إلى أن هذه السياسات أسفرت بالفعل عن فرض غرامات ضخمة وصلت في بعض الحالات إلى مئات الملايين، بل مليارات اليوروات، وإلى شكاوى متكررة من الشركات بأن التكاليف تتجاوز الفوائد العائدة بالفعل على المستهلكين.
هددت الإدارة الأميركية باستخدام رسوم جمركية انتقامية أو عقوبات اقتصادية ضد شركات أوروبية في حال لم يتراجع الاتحاد الأوروبي عن بعض إجراءات تنظيم السوق الرقمية، ما يمثل خطوة غير مسبوقة في النزاعات التقنية. كما فرضت الولايات المتحدة حظر تأشيرات دخول على خمسة مسؤولين أوروبيين بارزين في مجال تنظيم التكنولوجيا، بدعوى سعيهم لممارسة الرقابة. وقد أثار هذا ردود فعل أوروبية غاضبة واتهامات بمحاولة التدخل في السيادة التنظيمية الأوروبية.
أما من ناحية الشركات واستراتيجياتها، فيرى أبو يحيى أن هناك مؤشرات على اتجاه بعض الشركات إلى التهديد بالانسحاب الجزئي، أو إلى اعتماد نسخ أوروبية مخصّصة من منتجاتها الرقمية تتلاءم مع المتطلبات التنظيمية المحلية. ومع ذلك، تبقى السوق الأوروبية، التي تضم أكثر من 450 مليون مستهلك يتمتعون بقدرة شرائية مرتفعة، سوقاً استراتيجية بامتياز، ما يجعل من غير المرجّح أن تُقدم الشركات الكبرى على التخلي عنها بشكل كامل. والأرجح أن تتجه هذه الشركات إلى اعتماد استراتيجية "التكيّف المستمر"، عبر مواءمة منتجاتها ونماذج أعمالها مع الإطار التنظيمي الأوروبي بدل مغادرته.
يصرّ الاتحاد الأوروبي على أن قواعده التنظيمية ضرورية لحماية المستهلكين وتعزيز المنافسة العادلة وضمان حرية التعبير وتنظيم الأسواق الرقمية وفقاً لحقوقه السيادية. ويدافع المسؤولون الأوروبيون بأن هذه القواعد تطبق على جميع الشركات العاملة في الاتحاد، بغض النظر عن منشئها.
في المقابل، ترى الولايات المتحدة في تلك القواعد عقوبات غير عادلة تستهدف بشكل أساسي الشركات الأميركية وتعيق منافستها في أكبر سوق موحد في العالم، وتستخدم نفوذها التجاري للضغط على أوروبا لتخفيف هذه القواعد.
من جهته، اعتبر أبو يحيى أن الولايات المتحدة تتبع نهجاً مختلفاً تماماً عن الاتحاد الأوروبي في تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى. ويعود هذا الضعف النسبي في القواعد الصارمة إلى أسباب رئيسية واضحة، من أهمها الثقافة الاقتصادية الأميركية التي تركز بشكل كبير على الحرية الابتكارية والنمو السريع، حيث يُنظر إلى التنظيم الثقيل كعائق أمام الريادة العالمية في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.
وأوضح أن العامل الثاني يتمثل في نفوذ اللوبيات القوي والانقسام السياسي في الكونغرس، حيث يعيقان إقرار قوانين فيدرالية شاملة للخصوصية أو المنافسة، على عكس الاتحاد الأوروبي الذي يعتمد إجماعاً أكثر تماسكاً. وأضاف أن النهج الأميركي يتسم بطابع قطاعي ومجزّأ، إذ تتوزع الصلاحيات التنظيمية بين هيئات متعددة مثل لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) ووزارة العدل (DOJ)، في حين تعتمد أوروبا أطراً تنظيمية موحّدة ومتكاملة.
في المحصّلة، يقف النزاع الأميركي–الأوروبي حول تنظيم شركات التكنولوجيا عند مفترق طرق حساس. فإما أن يتحول إلى نموذج عالمي متوازن يوفّق بين حماية المستهلك وضمان المنافسة العادلة من جهة، والحفاظ على دينامية الابتكار والاستثمار من جهة أخرى، أو أن ينزلق نحو مواجهة اقتصادية مفتوحة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة