ارتفاع فواتير الكهرباء في سوريا: تهديد للعقد الاجتماعي الطاقي ومطالبات بإصلاحات هيكلية عاجلة


هذا الخبر بعنوان "فواتير الكهرباء «الصادمة».. هل ينهار العقد الاجتماعي الطاقي قبل أن يُعاد بناؤه؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تجد الأسر في دمشق نفسها أمام واقع جديد ومؤلم، حيث باتت فاتورة الكهرباء، التي لا تغطي سوى بضع ساعات يومياً، تلتهم جزءاً كبيراً من الدخل الشهري. هذا المشهد، الذي وصفته رشا عيسى، لم يعد استثناءً في سوريا عام 2026، بل أصبح القاعدة، مع قفزات غير مسبوقة في تعرفة الكهرباء. يتساءل السوريون كيف يمكن لخدمة محدودة أن تُسعَّر وكأنها تعمل على مدار الساعة، خاصة وأن هذه الزيادة لم يواكبها أي تحسن في الرواتب أو الدخل، الذي يشهد تآكلاً مستمراً.
شهدت تعرفة الكيلوواط/ساعة زيادة هائلة من 10 ليرات إلى ما بين 600 و1800 ليرة، وهو ما يمثل عبئاً كبيراً على الدخل الشهري. يشرح الدكتور هشام خياط، الخبير في السياسات الاقتصادية والاستراتيجية ورئيس الجمعية السورية لمستشاري الإدارة، لـ"الحرية" أن الزيادة الأخيرة لم تكن خياراً ترفياً. فبحسب تقديراته، تبلغ كلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة اليوم نحو 1500–1600 ليرة سورية (ما يقارب 0.13–0.14 دولار)، بينما كانت التعرفة السابقة لا تتجاوز 10 ليرات، مما يعني أن الدولة كانت تغطي نحو 99% من التكلفة. ويضيف الدكتور خياط أن استمرار هذا النموذج، في ظل عجز مزمن في الخزينة العامة وتراكم ديون على مؤسسة الكهرباء وصعوبة الوصول إلى تمويل خارجي، كان سيقود إلى انهيار شبه كامل للقطاع.
لكن الإشكالية، وفقاً للدكتور خياط، لا تكمن في قرار الرفع بحد ذاته، بل في طريقة وتوقيت التنفيذ. فرفع السعر بآلاف المرات دون تحسن فوري وملموس في ساعات التغذية – التي لا تزال تتراوح بين 4 و8 ساعات يومياً في معظم المناطق – يحوّل الإصلاح المالي إلى إجراء يُنظر إليه اجتماعياً على أنه عقاب جماعي. هذا الوضع يهدد الثقة بين المواطن والدولة، ويزيد من مخاطر الامتناع عن الدفع والاستجرار غير المشروع، ويفاقم الفقر الطاقي.
ويشير الدكتور هشام خياط إلى أن المعيار الدولي المقبول لعبء الطاقة على الأسرة (كهرباء، تدفئة، وقود) لا يتجاوز 8–10% من الدخل المتاح. لكن الواقع السوري مختلف تماماً؛ فحتى قبل الزيادات الأخيرة، كانت أسر كثيرة تنفق 20–35% من دخلها على بدائل الكهرباء مثل الأمبيرات والمولدات والأنظمة الشمسية الصغيرة. ومع التعرفة الجديدة، ارتفع العبء الكلي إلى 30–45% أو أكثر لدى شريحة واسعة من الأسر المتوسطة والفقيرة. ويحذّر خياط من أن هذه النسب تؤدي مباشرة إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، مما يعمّق الفقر متعدد الأبعاد ويهدد التماسك الاجتماعي.
ويضيف الخبير الاقتصادي أن المقارنة الإقليمية توضح جوهر المشكلة؛ ففي دول مثل مصر أو الأردن، ورغم زيادات سابقة في أسعار الكهرباء، يبقى العبء أقل بفضل دخل أعلى نسبياً وأنظمة دعم أكثر دقة. أما في سوريا، فالمشكلة الأساسية هي الفجوة الكبيرة بين السعر والدخل المنخفض جداً، لا السعر المطلق وحده.
من منظور استراتيجي، يؤكد الدكتور خياط أن تقليص الفاقد الفني والتجاري يجب أن يكون الأولوية القصوى. فالقطاع يخسر أكثر من 30% من الكهرباء المنتَجة، وتصل الخسائر في بعض المناطق إلى 40% أو أكثر. ويشرح أن كل خفض بنسبة 1% في الفاقد يحقق وفورات مالية كبيرة دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة في محطات توليد جديدة، مما يجعله أعلى عائد استثماري ممكن في الظروف الحالية. إلى جانب ذلك، يدعو خياط إلى تسريع التحول نحو الطاقة اللامركزية، خصوصاً الطاقة الشمسية على الأسطح والمجمعات الصغيرة، مع توفير حوافز حقيقية لشراكات القطاعين العام والخاص.
كما يشدد على أهمية استثمار عودة السيطرة على حقول النفط والغاز الرئيسية وزيادة إمدادات الغاز، بهدف رفع الإنتاج الفعلي إلى 3000–3500 ميغاواط مستقرة. ويرى أن رفع الأسعار دون هذه الإصلاحات يبقى إجراءً مالياً مؤقتاً، لا يؤسس لقطاع مستدام ولا يعيد الثقة المفقودة.
ويقترح الدكتور خياط رؤية متعددة المسارات تقوم على خمسة محاور مترابطة: أولاً، إصلاح تدريجي للتسعير مع حماية اجتماعية دقيقة، تتضمن شريحة أساسية مدعومة بقوة (0–200 أو 250 كيلوواط ساعة شهرياً) بسعر رمزي، يليها انتقال إلى سعر يقترب من الكلفة الحقيقية، مع ربط الدعم ببطاقات طاقة أو مساعدات نقدية مشروطة للفئات الهشة. ثانياً، برنامج وطني عاجل لتقليص الفاقد ونشر عدادات ذكية مسبقة الدفع، وإعادة تأهيل الشبكات في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، وبرامج تسوية قانونية للاستجرار غير المشروع مقابل الدمج الرسمي. ثالثاً، تنويع مزيج الطاقة حيث الأولوية للطاقة الكهرومائية المحلية، ثم توسع سريع في الطاقة الشمسية اللامركزية، مع الاستفادة من الغاز المحلي والمستورد. رابعاً، تفعيل الربط الإقليمي واستكمال الربط مع الأردن والعراق، واحتمال التوسع لاحقاً، لاستيراد كهرباء أقل كلفة في ساعات الذروة مع الحفاظ على السيادة الطاقية. خامساً، حوكمة شفافة وبناء الثقة، مع فصل واضح بين التوليد والنقل والتوزيع، ونشر دوري وعلني لأرقام الكلفة الحقيقية، والفاقد، وحجم الدعم، والإيرادات.
ويؤكد خياط أن الشرط الحاسم لنجاح أي إصلاح هو ربط كل زيادة سعرية بتحسن قابل للقياس في جودة الخدمة وعدد ساعات التغذية. ويرى الدكتور هشام خياط أن العقد الاجتماعي الطاقي الجديد يجب أن يقوم على مبدأ واضح: «أدفع أكثر.. لكن أحصل على خدمة أفضل، وبشكل ملموس».
ويختتم الدكتور خياط بأن سوريا تقف اليوم أمام خيارين: إما إصلاح هيكلي تدريجي يعيد بناء الثقة ويحقق استدامة مالية واجتماعية، أو الاستمرار في حلقة مفرغة من الغضب الشعبي والعجز المالي. ويبين أن الفرص متاحة مع عودة الحقول النفطية إلى الاهتمام الإقليمي واتفاقيات الغاز، لكن نجاحها مرهون بالشفافية، والتوازن الاجتماعي، والإدارة الحكيمة قبل أي شيء آخر. (أخبار سورية الوطن، وكالات، الحرية)
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سوريا محلي