ضحايا الكيماوي يواجهون الأسئلة الصعبة: حوار مباشر مع هيئة العدالة الانتقالية في غوطة دمشق


هذا الخبر بعنوان "العدالة الانتقالية وملف الكيماوي.. أصوات الضحايا تواجه الأسئلة الصعبة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة تهدف إلى كسر حاجز العزلة بين أصحاب القضايا والجهات المعنية بالمساءلة، استضافت حملة “لا تخنقوا الحقيقة” جلسة حوارية مفتوحة في مقرها بمدينة عربين في غوطة دمشق. حضر اللقاء عدد من الناجين والشهود وناشطي المجتمع المدني، وشهد استضافة أحد أعضاء هيئة العدالة الانتقالية. تركز النقاش بشكل أساسي حول ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، وموقعه ضمن مسار العدالة الانتقالية، والسعي إلى المحاسبة وكشف الحقيقة.
تأتي هذه الجلسة في إطار جهود مستمرة لفتح قنوات تواصل مباشرة بين الضحايا والجهات المعنية بالعدالة، متجاوزةً الطابع النقاشي التقليدي. سعت الحملة إلى ضمان حضور أصوات المتضررين في أي مسار سياسي أو قانوني يُعنى بالمحاسبة، مؤكدةً أن العدالة لا يمكن أن تُصاغ في الغرف المغلقة بعيداً عن أولئك الذين دفعوا الثمن الأكبر.
أوضح فارس المنجد، منسق الحملة، في حديثه لسوريا 24، أن هذا اللقاء يندرج ضمن رؤية تقوم على “إعادة الاعتبار لصوت الضحايا والناجين بوصفهم شركاء أساسيين في مسار العدالة، لا مجرد شهود على الهامش”. وأشار المنجد إلى أن ملف الأسلحة الكيميائية يمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة السورية، ولا يمكن القفز عنه أو تأجيله في أي نقاش حول المستقبل. وأضاف أن الهدف من هذه الجلسات هو خلق مساحة آمنة ومباشرة لطرح الأسئلة والمخاوف دون وساطة أو لغة رسمية مغلقة، وبما يعزز الثقة بين المتضررين والجهات المعنية.
خلال النقاش، برزت مسألة التوثيق كإحدى الركائز الأساسية، حيث جرى التأكيد على أن التوثيق الدقيق والمستمر لجرائم استخدام الأسلحة الكيميائية لا يقتصر على حفظ الأدلة القانونية، بل يشكل أيضاً حماية للذاكرة الجماعية من الطمس أو الإنكار، ويضع أساساً لأي مسار قضائي مستقبلي. كما شدد الحضور على أن الضحايا ليسوا أرقاماً في تقارير، بل أصحاب حق، وأن إشراكهم في الحوار وصنع الأولويات يعزز مصداقية أي عملية انتقالية.
توقف النقاش مطولاً عند التحديات القانونية والسياسية التي تعترض محاسبة مرتكبي جرائم الكيميائي، سواء لجهة تعقيدات المسارات القضائية، أو ضعف الإرادة السياسية الدولية، أو محاولات التضليل والإنكار المستمرة. في هذا السياق، جرى شرح الإطار العام لعمل هيئة العدالة الانتقالية، وكيف يمكن أن يتقاطع ملف الأسلحة الكيميائية مع مهامها، ولا سيما في مجالات كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.
عكس التفاعل الواسع من الحضور حجم القلق والتطلعات في آن واحد، إذ طُرحت أسئلة مباشرة حول كيفية ضمان عدم تهميش ملف الكيميائي في أي تسوية سياسية مقبلة، وآليات حماية الشهود والناجين الراغبين بالإدلاء بشهاداتهم، وإمكانية تحقيق عدالة حقيقية في ظل استمرار الإفلات من العقاب. ووفق المنجد، فقد تم التعامل مع هذه التساؤلات بقدر عالٍ من الشفافية، مع الاعتراف بالصعوبات القائمة، ومن دون تقديم وعود غير واقعية، ما ساهم في بناء نقاش وصفه بالصادق والمسؤول.
من جهته، اعتبر عبد الرحمن داوود، قائد فريق تطوعي في معضمية الشام وأحد المتابعين لملف الضحايا ومشارك في الجلسة، أن مثل هذه اللقاءات تعيد للضحايا شعورهم بأن قضيتهم مسموعة بعد سنوات من التهميش. وأشار إلى أن الاستماع المباشر للناجين ليس إجراءً شكلياً، بل خطوة ضرورية لفهم الأثر الإنساني العميق لهذه الجرائم على الأفراد والمجتمعات، لافتاً إلى أن كثيراً من المتضررين ما زالوا يعيشون تبعات صحية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد، ما يجعل ربط ملف الكيميائي بمسارات جبر الضرر أمراً أساسياً.
أهمية الجلسة، وفق المشاركين، لا تكمن فقط في مضمون النقاش، بل في شكل اللقاء ذاته، بوصفه نموذجاً عملياً لاستماع المسؤولين والمعنيين بالعدالة إلى أصحاب القضايا بعيداً عن التقارير المكتبية واللغة التقنية الجافة. هذا النمط من الحوارات يعزز الثقة، ويمنح الضحايا شعوراً بأن معاناتهم معترف بها، ويعيد البعد الإنساني إلى صلب مسارات العدالة.
خرجت الجلسة بخلاصات أكدت مركزية ملف الأسلحة الكيميائية في الذاكرة السورية ومسار العدالة، وضرورة استمرار اللقاءات الحوارية كأداة لبناء فهم مشترك بين الضحايا والجهات المعنية، إضافة إلى أهمية تحويل الشهادات والأسئلة المطروحة إلى مدخلات فعلية في أي عمل مستقبلي لهيئات العدالة. من خلال هذه الخطوة، تجدد حملة “لا تخنقوا الحقيقة” تأكيدها على التزامها بخلق مساحات آمنة وصادقة للحوار، والدفاع عن حق الضحايا في أن يكونوا في قلب النقاش حول العدالة والمساءلة، انطلاقاً من أن الحقيقة لا تُصان إلا بالاستماع، وأن العدالة لا تُبنى إلا بمشاركة من حملوا آثار الجريمة في حياتهم اليومية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة