«مجلس السلام» الأمريكي: مبادرة لكسر الجمود الدولي أم تأسيس لنظام موازٍ؟


هذا الخبر بعنوان "مجلس السلام… كسر للجمود أم شرعنة لنظام موازٍ؟" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم اضطرابات دولية متصاعدة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يناير/كانون الثاني 2026 عن تأسيس «مجلس السلام». تهدف هذه المبادرة، وفق الخطاب الرسمي، إلى إدارة النزاعات الدولية، بدءًا من الأزمة في غزة. إلا أن هذه الخطوة سرعان ما أثارت جدلًا واسعًا، متجاوزًا البعد الإنساني إلى تساؤلات عميقة حول الشرعية الدولية ومستقبل النظام العالمي.
جاء الإعلان عن «مجلس السلام» في وقت تستمر فيه الحرب على غزة، وتتراجع الثقة بدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتتصاعد النزعات الأحادية في العلاقات الدولية. في هذا السياق، بدا المجلس محاولة لتقديم إطار بديل أكثر مرونة، قادر – نظريًا – على تجاوز الشلل الذي تعانيه المؤسسات الدولية التقليدية. لكن التحول السريع للمجلس من مبادرة إنسانية إلى مشروع ذي طابع جيوسياسي، فتح الباب أمام مخاوف حقيقية من كونه كيانًا موازيًا، لا مكمّلًا، للنظام الدولي القائم.
يعمل المجلس بميثاق خاص به، خارج منظومة الأمم المتحدة، ويمنح دورًا مركزيًا لرئيسه، مع صلاحيات واسعة في التوجيه وتحديد العضوية. كما يعتمد نموذجًا تمويليًا يقوم على مساهمات مالية مرتفعة، ما يربط النفوذ السياسي بالقدرة المالية، ويثير تساؤلات حول عدالة التمثيل واستقلالية القرار. هذه البنية، رغم ما تمنحه من سرعة حركة، تضع المجلس في منطقة قانونية رمادية، وتضعف أسس شرعيته الدولية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل عناصر القوة التي يتمتع بها المجلس. فهو يُقدَّم كآلية أسرع وأكثر مرونة من مجلس الأمن، ويحظى بدعم أو اهتمام من دول في الشرق الأوسط وآسيا ترى فيه فرصة عملية بعيدًا عن الهيمنة الغربية التقليدية. كما أن تركيزه على مرحلة ما بعد الصراع، ولا سيما إعادة الإعمار، يشكّل عامل جذب لدول تبحث عن حلول ملموسة بدل الاكتفاء بالبيانات السياسية.
لكن نقاط الضعف البنيوية تبقى حاضرة بقوة. فشخصنة القيادة وربط مصير المجلس بشخصية مثيرة للجدل مثل ترامب، يعزز المخاوف من توظيفه سياسيًا. كما أن شرط العضوية المالية يكرّس إقصاء الدول الأضعف، ويقوّض مبدأ المساواة بين الدول. إضافة إلى ذلك، ترى دول أوروبية عدة أن المجلس يشكّل تجاوزًا للأمم المتحدة بدل أن يكون أداة لإصلاحها.
المواقف الدولية عكست هذا الانقسام. فبينما أبدت بعض الدول العربية والآسيوية انفتاحًا حذرًا، رفضت دول أوروبية أساسية المشاركة، فيما فضّلت قوى كبرى كالصين وروسيا وبريطانيا المراقبة دون انخراط. أما إسرائيل، فقد تعاملت مع المجلس بدعم مشروط، معتبرة أنه قد يخفف عنها الضغوط الدولية، لكنها شددت على أولوية أمنها ورفضت أي دور تركي داخله، خشية منح أنقرة نفوذًا إقليميًا يتعارض مع مصالحها.
في المحصلة، لا يبدو «مجلس السلام» مبادرة إنسانية محضة، بل تعبيرًا عن تحوّل في التفكير الأميركي تجاه إدارة النزاعات، يقوم على المرونة والتمويل خارج الأطر التقليدية، مقابل إشكاليات حادة في الشرعية والمؤسسية. وبين من يراه فرصة لكسر الجمود، ومن يراه تهديدًا للنظام الدولي، يبقى مستقبله مرهونًا بقدرته على تحقيق نتائج فعلية على الأرض، لا بالاكتفاء بالشعارات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة