تحدي الهوية ووحدة سوريا: قراءة نقدية لتجربة "قسد" بعد عقد من الحرب


هذا الخبر بعنوان "السلاح لا يحمي الهويات.. قراءة سورية في تجربة “قسد”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور أكثر من عقد على اندلاع الحرب في سوريا، تحول السؤال المحوري من هوية المنتصر عسكريًا إلى كيفية الحفاظ على وحدة البلاد كدولة قابلة للحياة. يبرز التحدي في انتقال السوريين، بمختلف مكوناتهم من عرب وكُرد وسريان وتركمان، من منطق السلاح وفرض الأمر الواقع إلى سيادة الدولة والقانون ومستقبل مشترك يجمعهم. في صميم هذا النقاش تقع قضية "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وعلاقتها بالدولة السورية والمكون الكردي والاستقرار الوطني. يؤكد الكاتب محمد الهلال أن هذا الحوار يجب ألا يُدار بمنطق التخوين أو الإنكار، فتبعات أي خطأ لن تقتصر على دوائر السياسة، بل ستطال شوارع حلب والقامشلي والرقة ودير الزور والحسكة، وبيوت الناس في عين العرب/كوباني ومنبج وتل أبيض وعامودا والدرباسية والمالكية، حيث تتعايش هذه المكونات جنبًا إلى جنب منذ عقود.
لقد نشأت "قسد" في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب وانهيار مؤسسات الدولة والفراغ الأمني، مما مكنها من فرض نفسها كقوة أمر واقع تسيطر على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا. ومع ذلك، يشدد الكاتب على أنها ليست حكومة منتخبة ديمقراطيًا، ولا تمثل إطارًا اختاره الشعب، بل هي تنظيم عسكري يمتلك السلاح ويسيطر على الأرض. ويحذر من الخلط بين "قسد" والشعب الكردي السوري، معتبرًا ذلك خطأً جسيمًا.
يُعد الكرد السوريون مكونًا وطنيًا أصيلًا، تمتد جذورهم في الجزيرة السورية وعفرين والقامشلي والحسكة بعمق لا يقل عن جذور العرب في الرقة ودير الزور ومنبج والباب. يشير المقال إلى أن العديد من العائلات في هذه المدن مختلطة، وتتداخل اللغتان العربية والكردية في حياتهم اليومية، وتجمعهم ذاكرة مشتركة. ويؤكد أن ما يهدد هذا النسيج اليوم ليس التنوع بحد ذاته، بل عسكرة السياسة. كما يرفض الكاتب الادعاء بأن الكرد السوريين يرفضون الانتماء إلى سوريا، مؤكدًا أن غالبيتهم الساحقة تعتبر نفسها سورية، وتطمح لأن تكون دمشق عاصمة تحمي حقوقهم، شأنها شأن أهل حمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودرعا والسويداء.
لطالما كانت المطالب الكردية التاريخية واضحة، وتتمثل في الاعتراف بالهوية واللغة، وحماية الثقافة، والمشاركة السياسية المتساوية. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن عقودًا من التهميش، وإسقاط الجنسية، ومنع اللغة، قد خلقت خوفًا عميقًا وانعدام ثقة حقيقيًا. ورغم تفهم هذا الخوف، إلا أنه لا يمكن أن يشكل أساسًا لبناء كيان مسلح دائم أو لتقسيم فعلي للبلاد. بل يجب أن يكون دافعًا لصياغة ضمانات دستورية قوية تمنع تكرار مآسي الماضي في القامشلي كما في درعا، وفي عفرين كما في حمص.
لقد أعادت الأحداث الأخيرة في حلب، وتحديدًا في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، التأكيد على خطورة استمرار السلاح خارج إطار وطني موحد. فالمشهد يتكرر: اتهامات متبادلة، تصعيد عسكري، سقوط قتلى وجرحى، نزوح عائلات إلى أحياء أكثر أمانًا، ثم وساطات دولية تفضي إلى تفاهمات مؤقتة وخروج مقاتلين ووقف هش لإطلاق النار. هذا النمط ليس حكرًا على حلب؛ بل هو قابل للتكرار في منبج، أو على أطراف الرقة، أو في ريف دير الزور، أو في تل رفعت، طالما ظل السلاح منفصلًا عن الدولة، وطالما تأجل الحل الشامل.
من منظور الدولة السورية، الذي يشاركه قطاع واسع من السوريين في دمشق وحلب والحسكة والرقة، لا يمكن إعادة بناء بلد موحد بوجود جيوش وإدارات موازية. كما لا يمكن البدء بإعادة إعمار حقيقية بينما تظل الموارد الأساسية للبلاد، من نفط شرق دير الزور، إلى قمح الجزيرة، إلى مياه الفرات، خارج إطار وطني جامع في ظل الانهيار العام. هذا الواقع يولد شعورًا عميقًا باللاعدالة ويغذي احتقانًا سياسيًا واجتماعيًا خطيرًا، حتى داخل الأوساط الكردية نفسها، حيث يدرك كثيرون في عامودا والدرباسية والقامشلي أن استمرار هذا المسار يضعهم في مواجهة دائمة مع محيطهم الوطني.
في هذا السياق، يصبح من الضروري توضيح حقيقة العلاقة مع الولايات المتحدة دون أوهام. فالدعم الأمريكي لـ"قسد" لم يكن أبدًا التزامًا أخلاقيًا دائمًا تجاه الكرد، ولم يكن مشروعًا لتقسيم سوريا، بل كان علاقة وظيفية مؤقتة تحكمها المصالح. يظهر التاريخ القريب أن هذا النوع من الدعم يتراجع أو يختفي عند تغير الأولويات أو إبرام صفقات أكبر. لذا، فإن ربط مستقبل المكون الكردي السوري برهان خارجي مؤقت، أو بتحالفات عسكرية عابرة للحدود، يُعد رهانًا غير آمن، خاصة إذا ترافق مع ربط القرار العسكري بقوى خارجية مثل حزب العمال الكردستاني (PKK)، مما يضع كرد سوريا في قلب صراعات إقليمية لا تخدم مصالحهم، ويزيد من مخاوف الجوار، ويحول مدنًا مثل عين العرب والقامشلي وعفرين إلى ساحات صراع بدلًا من أن تكون جسور تواصل.
ولكي لا يظل الحديث نظريًا، تستعرض التجارب الدولية نماذج ناجحة لحماية الهوية ضمن إطار الدولة الموحدة. ففي إسبانيا وكندا وإيطاليا والهند وفنلندا، تعيش شعوب ذات لغات وثقافات مختلفة بكرامة داخل دولة واحدة، بفضل دساتير واضحة، ولامركزية إدارية، وجيش وطني موحد. لم تحتج تلك الشعوب إلى ميليشيات دائمة أو حماية خارجية، لأن هوياتها كانت محمية بالقانون، وليس بالسلاح. هذه النماذج تبعث برسالة واضحة يمكن استيعابها في الرقة كما في القامشلي: عندما تكون الدولة عادلة، تصبح الوحدة مصلحة مشتركة للجميع.
من هذا المنطلق، يرى الكاتب أن رسالة الدولة السورية إلى قيادة "قسد" وإلى الإخوة الكرد تبدو واقعية ومنطقية: إن المستقبل الأكثر أمانًا للكرد، ولجميع السوريين، يكمن داخل دولة سورية مدنية واحدة، تعترف بالتعدد وتحميه دستوريًا، وتمنح إدارات محلية منتخبة صلاحيات حقيقية في الحسكة والرقة ودير الزور ومنبج والقامشلي، ضمن إطار وطني جامع. كما تفتح هذه الدولة الباب أمام مشاركة كاملة في الجيش والأمن والبرلمان والمؤسسات السيادية، ليشعر ابن عامودا وابن الرقة وابن حلب بأنهم شركاء في القرار والمصير.
في الختام، يؤكد المقال أنه لا يوجد حل عسكري مستدام بعد اليوم. الحل الوحيد القابل للاستمرار هو مسار سياسي وطني يقوم على ضمانات دستورية راسخة، ولامركزية إدارية منضبطة ضمن الدولة السورية الموحدة، دون أي مساس بهيبة الدولة أو بسيادتها السياسية الكاملة على كامل الجغرافيا السورية. ويرفض هذا الحل بشكل قاطع إنشاء كانتونات أو سلطات مستقلة، ويشدد على دمج جميع القوى المسلحة في جيش وطني واحد، وإنهاء حكم الميليشيات بلا استثناء.
يختتم الكاتب محمد الهلال، وهو أستاذ جامعي، بالقول إن إعادة بناء الثقة بين دمشق والقامشلي، وبين حلب والرقة، وبين دير الزور والحسكة، هي مهمة أصعب من إعادة بناء المدن المدمرة. لكنها، في الوقت ذاته، الشرط الوحيد للنجاة، ولتحويل التنوع السوري من مصدر للخوف والصراع إلى مصدر قوة، يشعر فيه العرب والكرد معًا أن حل هذه القضية ليس عبئًا عليهم، بل مصلحة مشتركة لا غنى عنها لمستقبل سوريا بأكملها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة