انتهاكات سجن الأقطان بالرقة: شهادات صادمة ومراجعة قضائية شاملة لملفات المحتجزين


هذا الخبر بعنوان "سجن الأقطان بالرقة: بين كشف الانتهاكات ومراجعة شاملة للملفات" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكد نقيب المحامين في الرقة، محمد صالح النجم، في تصريح خاص لمنصة سوريا 24، أن ما تعرض له الأطفال المحتجزون في سجن الأقطان على يد قوات قسد يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين المحلية والمواثيق الدولية المعنية بحماية الطفل. وأوضح النجم أن التقارير الحقوقية والشهادات الميدانية، التي كُشفت في كانون الثاني 2026 بعد سيطرة الجيش السوري على السجن، وثّقت مجموعة واسعة من الانتهاكات بحق 126 قاصراً تم الإفراج عنهم لاحقاً.
توزعت هذه الانتهاكات بين التعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من الاحتياجات الأساسية، إضافة إلى تجاوزات قانونية وقضائية. وبحسب شهادات الأطفال، شمل التعذيب الصعق بالكهرباء لانتزاع الاعترافات والترهيب، والضرب المبرح باستخدام العصي و"الكرابيج"، فضلاً عن الحبس الانفرادي في زنازين ضيقة لفترات طويلة، والإهانات اللفظية المتكررة التي استهدفت كرامتهم الإنسانية. كما أشار النجم إلى ممارسات التجويع المنهجي، وتقديم طعام فاسد بكميات ضئيلة، إلى جانب الإهمال الطبي، ما أسفر عن ظهور علامات سوء تغذية واضحة على الأطفال عند خروجهم.
وعلى الصعيد القانوني، أكد نقيب المحامين أن غالبية حالات الاحتجاز كانت تعسفية، حيث جرى توقيف أطفال دون سن الثامنة عشرة بتهم فضفاضة وغير مثبتة، مثل "تصوير مواقع عسكرية" أو "تسريب معلومات" أو الاشتباه بالانتماء إلى تنظيم "داعش". ولفت إلى توثيق أحكام قاسية بحق قاصرين، منها الحكم بالسجن سبع سنوات لطفل لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، بالإضافة إلى غياب الضمانات القانونية، وعدم إخضاع المحتجزين لمحاكمات عادلة، وحرمان ذويهم من معرفة أماكن احتجازهم. ووصف حقوقيون سجن الأقطان بأنه "صيدنايا الصغير"، مشيرين إلى تشابه أساليب التعذيب وارتفاع وتيرة الانتهاكات، معتبرين أن احتجاز القاصرين بهذه الصورة يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية وتجاوز صارخ للاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة.
من جانبه، صرح الدكتور محمد الحاج علي، رئيس الشبكة السورية البريطانية، في حديث لمنصة سوريا 24، بأن مشهد تحرير الأطفال من سجن الأقطان أحدث صدمة عميقة في الوجدان السوري، خاصة مع وجود قاصرين قضوا فترات وصلت إلى سبع سنوات خلف القضبان. وأضاف أن الانتهاك الأكبر لم يقتصر على أساليب الاحتجاز فحسب، بل امتد إلى أصل اعتقال الأطفال دون أي مسوغ قانوني، واحتجازهم مع بالغين دون مراعاة لخصوصيتهم العمرية والإنسانية. وشدد الحاج علي على أن مسؤولية معالجة هذا الملف تقع على عاتق الحكومة السورية، التي أوفدت لجاناً من وزارة العدل لمراجعة هذه القضايا والبت فيها سريعاً، رغم التحديات الناتجة عن غياب الوثائق والمستندات، بعد امتناع "قسد" عن تسليمها. ودعا إلى ضرورة توثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار العدالة الانتقالية، وتعويض الضحايا وجبر الضرر، مطالباً مجلس الشعب القادم بسن تشريعات حازمة لحماية حقوق الإنسان، وحقوق الطفل والمرأة بشكل خاص.
وفي ضوء هذه المعطيات، أعلنت وزارة العدل السورية عن بدء عملية فحص شاملة للملفات الشخصية والقضائية لجميع الموقوفين في سجن الأقطان، بهدف ضمان تطبيق القوانين وتعزيز سيادة القانون. وذكرت الوزارة، في بيان رسمي، أن لجاناً قضائية متخصصة تتابع ملفات المعتقلين بشكل مستمر، مع تصنيفها إلى ثلاثة أنواع: ملفات إرهابية مرتبطة بتنظيم "داعش"، وقضايا جنائية عادية، وقضايا تعسفية متعلقة بحرية الرأي تعود إلى فترة سيطرة "قسد". وأكدت أن كل ملف يُعالج بشكل فردي وفق طبيعته القانونية والإجراءات القضائية المعتمدة، مع عمل فرق متخصصة بمكافحة الإرهاب تحت إشراف قضائي مباشر لدراسة الملفات المصنفة إرهابية. كما شددت على استقبال شكاوى وادعاءات المتضررين بشكل رسمي، لضمان حفظ الحقوق ومحاسبة الجناة، معتبرة أن الشفافية والعلنية في الإجراءات القضائية تشكلان أساساً لتعزيز الثقة بالقضاء.
وفي سياق متصل، أجرى وفد من وزارة العدل، بحضور النائب العام القاضي حسان التربة، زيارة تفقدية إلى سجن الأقطان يوم الثلاثاء الماضي، للاطلاع المباشر على أوضاع السجناء ومتابعة سير عمل اللجان القضائية. وأكدت الوزارة التزام الدولة بالتوازن بين حماية الحريات ومكافحة الجريمة، داعية المواطنين إلى التعاون وتقديم الادعاءات القانونية. كما أعلنت وزارة العدل عن إطلاق سراح عدد من الأطفال الذين كانت "قسد" قد اعتقلتهم سابقاً وأودعتهم في السجن بتهم تتعلق بالانتماء إلى تنظيم "داعش"، رغم أن أعمارهم لا تتجاوز 16 عاماً. واعتبرت الوزارة أن احتجاز هؤلاء القاصرين شكّل مخالفة صريحة للقوانين والاتفاقيات الدولية، مؤكدة أن الإفراج عنهم يندرج ضمن الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية، ويهدف إلى إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع.
ويرى حقوقيون أن نجاح هذه الخطوات مرهون بترسيخ آليات رقابة قضائية مستقلة، وتطوير تشريعات واضحة تحظر احتجاز الأطفال تحت أي ذريعة، إلى جانب تعزيز الشفافية والمساءلة. وبينما تواصل لجان وزارة العدل عملها في سجن الأقطان، تبقى نتائج هذه المراجعة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على طي صفحة الانتهاكات، وبناء منظومة عدالة تحمي الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة