مجزرة عين العرب: شهادات مؤثرة ومطالب عائلات الضحايا بدفن أبنائهم المحتجزين في ريف حلب


هذا الخبر بعنوان "حلب: سوريا 24 توثق مجزرة عين العرب ومطالب ذوي الضحايا بدفن أحبّتهم" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد إنساني يختصر حجم المأساة، تجمع العشرات من أهالي قرى سد تشرين في ريف حلب الشرقي، في وقفة صامتة يغلفها الحزن، مطالبين بالسماح لهم بدفن جثامين أبنائهم الذين قُتلوا في مجزرة هزّت المنطقة وأثارت صدمة واسعة في الأوساط السورية والحقوقية.
تعود فصول هذه المأساة إلى الثالث والعشرين من كانون الثاني/يناير، حين ارتُكبت مجزرة مروّعة في ريف عين العرب الجنوبي، راح ضحيتها 22 مدنيًا. وانتشر حينها مقطع مصوّر على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر فيه أحد مقاتلي (قسد) وهو يقوم بعدّ الضحايا واحدًا تلو الآخر، في مشهد موثّق بالصوت والصورة، أثار موجة غضب واسعة في الأوساط الشعبية والحقوقية. وبحسب شهود عيان، فإن الضحايا كانوا مدنيين محتجزين سابقًا في سجن تابع لقسد في مدينة عين العرب (كوباني)، قبل أن تتم تصفيتهم ميدانيًا، في واقعة وُصفت بأنها إعدام خارج إطار القانون.
وسط هذا المشهد المثقل بالفقد، يقف سليم أحمد حاجي بين الجموع، يكفكف دموعه بصمت، بعد أن لم يبقَ في يده أي سبيل للقاء شقيقه سوى الحزن وانتظار الإذن بدفنه. يعرّف عن نفسه قائلًا إنه شقيق الشهيد محمد أحمد حاجي، ثم يبدأ بسرد تفاصيل اليوم الذي فقد فيه أخاه. يقول سليم لموقع سوريا 24 إنهم خرجوا من السجن قرابة الساعة الثالثة وخمس دقائق، وبعدها بدقائق تلقى اتصالًا من شقيقه محمد، الذي قال له: "خرجنا من السجن ونحن قادمون، كيف حالكم؟"، يردّ سليم: "الحمد لله، نحن بخير، تحررنا ووضعنا مستقر". لكن القلق كان حاضرًا، فحاول تحذير أخيه قائلًا: "لا تأتوا، الطرقات كلها ملغّمة، لا تسلكوا الطريق. قد يوقفونك أو يؤذونك، لا أحد يعرف ما قد يحصل". سأله محمد بعدها: "هل تتحدث معي من هاتفك أم من هاتف شخص آخر؟"، فأجابه: "أتحدث معك من هاتفي، من الشارع". ويؤكد سليم أن الاتصال جرى يوم الأربعاء عند الساعة الثالثة ظهرًا، وأن شقيقه أصرّ على القدوم، مكررًا أكثر من مرة: "نحن ذاهبون". وبعد نحو ساعتين فقط، ومع أذان المغرب، بدأت مقاطع الفيديو بالانتشار، يقول سليم: "عندما شاهدتها، تعرّفت على أخي بين القتلى"، قبل أن يضيف: "حسبنا الله ونعم الوكيل".
يوضح سليم أن شقيقه كان محتجزًا في سجن الأدق، الواقع في ريف عين العرب، على جبل يبعد نحو خمسة إلى ستة كيلومترات عن المدينة. ويشير إلى أن المكان كان في السابق مخصصًا للعزل الصحي خلال جائحة كورونا، قبل أن يتم تحويله لاحقًا إلى سجن معروف لدى جميع أهالي المنطقة. ويضيف أنه سبق أن اعتُقل في السجن نفسه، لذلك تعرّف عليه فورًا عندما شاهد المقاطع المصوّرة.
يؤكد سليم أن السجن كان يضم مدنيين فقط، وأن الاعتقالات كانت تتم لأسباب بسيطة جدًا. "أحيانًا صورة على الهاتف تكفي. إذا كان عندك شيء لا يعجبهم، يأخذونك فورًا"، يقول. ويشرح أن الخوف كان يسيطر على تفاصيل الحياة اليومية، ما اضطر كثيرين إلى استخدام أسماء وهمية على تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل واتساب وفيسبوك، وتجنب أي تعليق أو تفاعل علني. "كنا نخاف من أي كلمة. المخبرون كانوا في كل مكان".
إلى جانب سليم، يقف دياب خميس العبدالله من منطقة رمالة، ويروي شهادته بصوت مثقل بالألم. يعرّف عن نفسه قائلًا إن شقيقه محمد خير الخميس العبدالله كان معتقلًا في سجن الأدق التابع لقسد. يقول دياب إن شقيقه اعتُقل على أحد الحواجز بعد العثور بحوزته على غطاء رأس كُتب عليه «لا إله إلا الله»، ليُقتاد بعدها إلى حاجز الحج محمد، ثم نُقل إلى منطقة صرّين، حيث حُكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر. وبحسب روايته، أُفرج عن شقيقه لاحقًا مع مجموعة من المعتقلين عقب تغيّر السيطرة العسكرية في المنطقة، إلا أن الإفراج لم يكن نهاية المعاناة. إذ يؤكد دياب أن قوات قسد لاحقت المفرج عنهم مجددًا، وأجبرتهم على العودة، قبل أن يتم احتجازهم مرة أخرى. ويضيف أن عناصر قسد أبلغوا المعتقلين بأنهم "أحرار"، لكنهم اقتادوهم لاحقًا إلى نقطة أخرى، حيث جرى احتجازهم ثم تصفيتهم.
يشير دياب إلى أن الجثامين موجودة حاليًا قرب صوامع كوباني، وتخضع لحراسة مشددة، فيما يُمنع ذوو الضحايا من الاقتراب أو استلامها. ويروي أن أحد أقربائه توجّه لإحضار جثمان ابنه عند المغيب، ليجد أن جميع القتلى كانوا قد فارقوا الحياة، وتمكن من نقل جثمان ابنه على دراجة نارية إلى المنزل، على أمل العودة في اليوم التالي لاستلام بقية الجثامين. غير أن المحاولة فشلت، إذ أطلق عناصر قسد النار في الهواء لمنعهم من الاقتراب، وأعادوهم بالقوة، قبل أن يمنعوا العائلة من دفن الجثمان. ويؤكد دياب أن الجثمان بقي أربعة أيام داخل المنزل، دون السماح بدفنه أو نقله خارجه، رغم محاولات متكررة للتوسط عبر جهات إنسانية، قوبلت جميعها بالرفض. ويختم دياب شهادته بالإشارة إلى أن المنطقة التي وقعت فيها المجزرة، وتحديدًا قرية روبي، تخضع لسيطرة قسد، موضحًا أن عدد الضحايا في هذه القرية وحدها بلغ 16 شهيدًا، جرى دفنهم لاحقًا في مقبرة جماعية.
بين الانتظار والخذلان، لا تزال العائلات المكلومة في قرى سد تشرين تتمسّك بأملٍ أخير، أن يُسمح لها بتوديع أبنائها بسلام، بعد أيام طويلة من الصمت واحتجاز الجثامين. ويبقى مطلب الأهالي واحدًا لا يتغيّر: أن يُغلق هذا الجرح المفتوح، ولو بخطوة إنسانية بسيطة، تتمثّل في تسليم جثامين الضحايا ودفنهم بكرامة، كما يفرض الحد الأدنى من القيم الإنسانية.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة