تصاعد التوتر في أمريكا: "الفهود السود" تعود للواجهة وتحديات سياسات ترامب


هذا الخبر بعنوان "حرب “الفهود السود” على ترامب… وعودة السياسة إلى الشارع الأميركي" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن ظهور جماعة مسلحة تُعرف باسم "الفهود السود" خلال تظاهرة مناهضة لوكالة الهجرة والجمارك في مدينة فيلادلفيا مجرد حدث أمني عابر أو احتجاج تقليدي. بل بدا الأمر أقرب إلى رسالة سياسية قوية موجهة إلى صميم النظام الأميركي، مؤكداً عودة الشارع ليكون لاعباً مباشراً في معادلة السلطة، بعد تآكل الثقة بمؤسسات الحكم وآليات التمثيل التقليدية. يأتي هذا الظهور في فترة سياسية حرجة تشهد فيها الولايات المتحدة تصاعداً غير مسبوق في الاستقطاب بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، وهو ما غذّته سياسات الرئيس دونالد ترامب القائمة على التشدد في ملف الهجرة، وتوسيع صلاحيات أجهزة إنفاذ القانون، وتبني خطاب يعتمد منطق القوة بدلاً من التسوية السياسية. في هذا السياق، لم تعد الاحتجاجات مجرد أدوات ضغط مدنية، بل تحولت لدى بعض الجماعات إلى فعل مواجهة مباشرة مع الدولة.
سياسياً، تبدو إدارة ترامب وكأنها تدفع البلاد نحو إعادة إنتاج نموذج "الدولة الصلبة"، حيث يُقدم الأمن كقيمة عليا تتقدم على الحريات الفردية. ينعكس هذا التحول الجذري في فلسفة الحكم بوضوح في طريقة التعامل مع المهاجرين، والأقليات، وكل من يُصنف خارج الإطار الضيق لما يُسمى بـ"الأميركي النموذجي" وفق الخطاب الرسمي السائد. من هنا، فإن بروز جماعات تحمل السلاح في الشارع ليس سوى نتيجة طبيعية لمسار سياسي يرى فيه خصوم ترامب أن السلطة التنفيذية لم تعد تكتفي بإدارة الخلاف، بل باتت تُعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية من طرف واحد. الأخطر في هذا المشهد هو أن الانقسام لم يعد محصوراً بين حزبين أو تيارين، بل أصبح عمودياً بين من يثق بالدولة كمرجعية نهائية، ومن يعتبرها هي من تحولت إلى مصدر تهديد. هذه المعادلة تضع النظام السياسي الأميركي أمام اختبار وجودي: فإما استعادة منطق التوازن بين الأمن والحرية، وهو ما لا يبدو ممكناً في المدى المنظور بسبب تشدّد ترامب، وإما الانزلاق التدريجي نحو مجتمع مأزوم تحكمه ردود الفعل لا المؤسسات، مما قد يؤدي إلى مخاطر جمة نتيجة التغييرات الحاصلة.
اجتماعياً، يحمل صعود جماعات مثل "الفهود السود" دلالات تتجاوز البعد العرقي التقليدي الذي ارتبط تاريخياً باسم الحركة. فالقضية اليوم لم تعد مقتصرة على الأميركيين من أصل إفريقي، بل تمتد لتشمل كل الفئات التي تشعر بأنها مستهدفة أو مهمشة في ظل السياسات الحالية، وفي مقدمتها المهاجرون والفقراء وسكان الضواحي المنسية. إن الإحساس المتنامي بالظلم، وغياب الثقة بالقضاء، والخوف من أجهزة الدولة، كلها عناصر تخلق بيئة خصبة لتحول الغضب الاجتماعي إلى تنظيمات ذات طابع شبه عسكري وأمني، وهو ما لوحظ خلال تواجد "الفهود السود" في بعض المظاهرات. هذه البيئة لا تتشكل في لحظة واحدة، بل تتراكم عبر سنوات من الإقصاء واللغة الاستفزازية والتعامل مع الأزمات بمنطق العقاب بدلاً من الحلول.
في هذا السياق، يمكن القول إن "الفهود السود" ليست ظاهرة مستقلة بحد ذاتها، بل هي أحد أعراض مرض أعمق يضرب الجسد الأميركي من خلال أزمة هوية سياسية واجتماعية في آن واحد. أزمة تطرح بحدة أسئلة مثل: من هو الأميركي؟ وما هي حدود الدولة؟ وأين تنتهي سلطة القانون وأين تبدأ حقوق المواطن؟ يبدو الجواب واضحاً على هذه الأسئلة بأنه لن يُحسم في الشارع وحده، ولا عبر مزيد من القبضة الأمنية، بل من خلال مراجعة شاملة للمسار السياسي الذي سلكته الولايات المتحدة في السنوات الماضية. فإما أن تعود السياسة إلى دورها كمساحة لإدارة التنوع والخلاف، وإما أن يبقى الشارع مسرحاً مفتوحاً لصراعات مرشحة لأن تكون أكثر حدة وتعقيداً في المرحلة المقبلة.
على الرغم من أن اسم "الفهود السود" يذكر بالحركة الشهيرة التي تأسست عام 1966 للدفاع عن حقوق الأميركيين من أصل إفريقي، فإن الحركة الحديثة ليست امتداداً تنظيمياً مباشراً للحزب التاريخي الأصلي. ومع ذلك، فهي تستلهم رمزيته بشكل واضح، وتذهب في خطابها السياسي والاجتماعي بعيداً عن التصوير النمطي البسيط. يتزعم الجماعة الحديثة رجل يدعى بول بيردسونغ من فيلادلفيا، وقد ظهر أعضاؤها في مظاهرات مناهضة لوكالة الهجرة والجمارك، مؤكدين دعمهم لقضية ريناني كول بيت، التي قُتلت أثناء احتجاج في مينيابوليس، وأعلنوا أنهم موجودون لحماية المتظاهرين من "ترهيب الدولة".
تؤكد الجماعة أنها تستلهم إرث "الفهود السود" الأصلية التي تأسست في الستينيات، وتستند إلى توجيهات من بعض الأعضاء التاريخيين الذين ما زالوا على قيد الحياة. كما تشير إلى تنفيذ برامج مجتمعية، من بينها توزيع الطعام المجاني أسبوعياً، وتركيزها على مبدأ الدفاع المسلح عن النفس في مواجهة ما تعتبره تجاوزات الدولة. وقد ذكرت وسائل إعلام غربية الظهور الذي كان يعج بشكل كبير في سياق الاحتجاجات الراهنة، واصفة الانتشار العنيف في مدينة مينيابوليس بأنه أعاد إلى الأجواء ذكريات الحرب الأهلية الأميركية، مما يدل على عمق الانقسام الداخلي. إلى ذلك، برز خلاف داخل السجال الأميركي نفسه حول هذه الجماعات الحديثة. فبينما يصف ناشطون بعضها بأنها استلهام مشروع لردع العنف الحكومي، يحذر آخرون من التشبّه بالأسماء تاريخياً دون فهم سياقها. ويشير موقع "ريدِت" إلى وجود اختلافات بين مجموعات تسمي نفسها "Black Panthers"، ولا يمكن اعتبار كل منها استمراراً للحزب الأصلي، وأن بعضها له توجهات مختلفة تماماً. فـ"الفهود السود" الأصلية التي تأسست في الستينيات لم تكن مجرد ميليشيا مسلحة، بل كانت حركة ثورية واسعة ذات برنامج اجتماعي وسياسي قائم على ما عُرف بـ"البرنامج ذي النقاط العشر"، الذي طالب بالحرية والعدالة الاجتماعية وإنهاء وحشية الشرطة، إضافة إلى برامج رعاية اجتماعية في المجتمعات المهمشة، وكانت في صلب رفض التمييز البنيوي في المجتمع الأميركي وقتذاك.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة