حمص في قبضة الأزمة: مشاريع صغيرة معلقة وغياب شبه كامل للطبقة الوسطى


هذا الخبر بعنوان "حمص: مشاريع صغيرة معلقة وطبقة وسطى غائبة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تغرق مدينة حمص، شأنها شأن العديد من المدن السورية، في دوامة أزمات معيشية متفاقمة، حيث تحولت أبسط مقومات الحياة اليومية إلى تحدٍّ حقيقي يواجهه المواطنون. ففي ظل تدهور الخدمات الأساسية، وتراجع مستويات النظافة، وعدم استقرار الدخل، تضيق الخيارات أمام الأفراد لتأمين عيش كريم أو حتى مستقر نسبيًا. ومع استمرار التدهور الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو الحديث عن "بناء مستقبل بسيط" مجرد طموح مؤجل لا يمكن تحقيقه في الوقت الراهن.
في هذا السياق، كشف محمود البويضاني، أحد سكان مدينة حمص، في تصريح لمنصة "سوريا 24"، أن الأزمة لم تعد مقتصرة على ضعف البنية التحتية أو تعقيدات الإدارة المحلية، بل تتعداها إلى ما أسماه "الجدار الخفي" الذي يحول دون قدرة المواطن العادي على إطلاق مشروعه الصغير، حتى وإن توفرت لديه الفكرة والقدرة والرغبة.
يشرح البويضاني أن الشباب وأرباب الأسر، حتى بعد تمكنهم من جمع بعض المدخرات، يواجهون سلسلة من العراقيل تبدأ من غموض القوانين وتصل إلى تعقيدات البيروقراطية. ويؤكد أن انعدام الشفافية وضعف الضمانات القانونية للمستثمر الصغير يحولان أي محاولة لدخول سوق العمل إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، في بيئة تفتقر لأدنى مستويات الأمان للاستثمار المحلي المحدود.
لا تقتصر هذه الصعوبات على الجوانب القانونية والإدارية، بل تمتد لتشمل صعوبة الحصول على التمويل، وغياب الدعم المؤسسي الفعال للمشاريع الصغيرة، بالإضافة إلى التأخير الطويل في إجراءات الموافقة حتى على المشاريع الأكثر بساطة. ويرى مراقبون أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تجميد طاقات شبابية هائلة، وإبقاء العديد من الأفكار الإنتاجية حبيسة الأدراج، في وقت تعيش فيه عائلات عديدة على حافة الفقر دون أي بدائل واضحة.
في سعي لإيجاد حلول عملية، وجه عدد من أهالي حمص دعوة إلى غرفة تجارة حمص لتنظيم معرض تجاري مؤقت، على غرار "معرض السلام"، لمدة عشرين يومًا. تهدف هذه المبادرة إلى توفير فرصة للشباب الباحثين عن مصدر رزق والذين لا يملكون متاجر دائمة، مع التركيز على صغار الباعة واستبعاد الشركات الكبيرة.
يعتقد أصحاب هذه الدعوة أن المعرض سيقدم مساحة تجارية مؤقتة تتيح للمشاركين المنافسة في أسعار المواد الغذائية، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان المبارك. كما سيوفر فرصة لتصريف البضائع الراكدة، ويساعد الأهالي على التسوق والاستعداد للشهر الفضيل بأسعار مخفضة، في ظل الارتفاع المستمر للأسعار.
تعكس شهادات أخرى من أهالي حمص، بعد متابعة دقيقة لوضع السوق خلال الشهرين الماضيين، واقعًا اقتصاديًا مريرًا. وتلخص هذه الشهادات نصيحة "تجارية" مفادها أن أي مشروع تجاري في سوريا اليوم يجب أن يستهدف إحدى فئتين فقط: إما الفئة الغنية، أو الفئة "المستورة بلطف الله"، وفقًا للتعبير الشائع.
فالمطاعم، والكفتيريات، والمقاهي، والمولات الغذائية، تستهدف الشريحة الميسورة ماليًا التي لا تتأثر كثيرًا بالظروف المعيشية الصعبة، وتعتمد غالبًا على دخول ثابتة من عقارات أو مصادر أخرى. في المقابل، تتوجه مشاريع أخرى نحو الفئة الأقل دخلًا، مثل بيع الأدوات المنزلية بأسعار زهيدة، وتجارة الألبسة المستعملة، والعروض على المواد الغذائية الأساسية، بالإضافة إلى محال الخضار والفواكه. أما قطاعات مثل الإكساء الصحي، والكهربائيات، والدهانات، فلا تزال تعمل ولكن بشكل موسمي وغير مستقر.
الخلاصة التي يتفق عليها الكثيرون هي أن الطبقة الوسطى، التي تُعد عادةً ركيزة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، أصبحت شبه معدومة في المدينة.
تتصاعد أصوات الأهالي مؤكدة أن استعادة الحياة الطبيعية في حمص لا يمكن أن تقتصر على ترميم الطرق أو تحسين إشارات المرور، على الرغم من أهمية هذه الإجراءات. بل تتطلب، قبل كل شيء، إزالة الحواجز غير المرئية التي تعيق إرادة الناس في العمل والإنتاج. فالمواطن، وفقًا لـ البويضاني، لا يسعى وراء وعود كبرى أو شعارات فضفاضة، بل يطمح إلى بيئة واضحة وعادلة تمكنه من إطلاق مشروعه الصغير بكرامة، وبثقة بأن جهده لن يضيع في متاهات الإجراءات المعقدة.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، تظل هذه المطالب والاقتراحات مؤشرًا على الحاجة الملحة لسياسات محلية أكثر مرونة، تستثمر في المبادرات الفردية وتعيد الاعتبار لدور المشاريع الصغيرة، كونها أحد الحلول القليلة المتاحة حاليًا لتحسين الواقع المعيشي وخلق فرص عمل حقيقية في مدينة أنهكتها الأزمات المتتالية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي