الحسكة في عين العاصفة: أزمة إنسانية خانقة تتفاقم مع نقص الغذاء والمياه وانسحاب المنظمات


هذا الخبر بعنوان "الوضع الإنساني يتفاقم في الحسكة.. نقص بالغذاء والمياه" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تجد محافظة الحسكة نفسها في خضم فصل جديد من المعاناة، حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية مع تصاعد حدة التصعيد العسكري بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). لم يعد القلق يقتصر على النزوح أو القتل، بل امتد ليشمل أبسط مقومات الحياة كالغذاء والمياه والوقود، التي تشهد ندرة غير مسبوقة.
في شوارع مدينة الحسكة، لم تعد الطوابير تقتصر على الأفران فحسب، بل امتدت لتشمل آبار المياه ومحطات توزيع المحروقات، محولةً المحافظة إلى ساحة لأزمة إنسانية متفاقمة. "أبو محمود"، رب أسرة من حي غويران بالحسكة، وصف الوضع لعنب بلدي قائلاً: "الخبز أصبح حلمًا، ننتظر لساعات طويلة أمام الفرن لنحصل على ربطة واحدة لا تكفي أطفالي الخمسة. التصعيد العسكري قطع طرق الإمداد، والتجار استغلوا الوضع لرفع الأسعار بشكل جنوني".
لا تقتصر الأزمة على الغذاء، فالمياه التي كانت "تصل بالقطارة"، بحسب تعبير "أبو محمود"، انقطعت تمامًا عن أحياء واسعة نتيجة توقف الصهاريج الجوالة بفعل التصعيد العسكري. وأضاف: "نشتري مياه الصهاريج بأسعار تفوق طاقتنا، ولا نعرف مصدرها أو مدى سلامتها، لكن العطش لا يترك لنا خيارًا".
تتضاعف المعاناة لدى النازحين في المخيمات، ففي مخيمي "الطلائع" و"توينة"، تدهورت الأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة بعد انسحاب عدد من المنظمات الإغاثية الدولية بسبب المخاوف الأمنية. "أحمد"، نازح يقيم في مخيم "الطلائع"، وصف الوضع لعنب بلدي قائلاً: "المنظمات انسحبت، ونعيش الآن بلا ماء ولا خبز، والبرد ينهش عظام أطفالنا ولا وسيلة للتدفئة". وأضاف "أحمد": "حتى الأمان الذي كنا ننشده في الخيام تلاشى، بعض العائلات تركت المخيم ونزحت مجددًا نحو المجهول خشية تعرض المنطقة لقصف أو اشتباكات مباشرة. نحن عالقون بين نارين". هذا الواقع انسحب أيضًا على مراكز الإيواء في مدارس القامشلي والمالكية ومعبدة والدرباسية، حيث تعاني العائلات النازحة من نقص في الأغطية والمواد الغذائية الأساسية، وسط محدودية الخدمات الصحية واللوجستية.
شهدت الأيام القليلة الماضية تحركًا إغاثيًا مكثفًا عبر المعابر الحدودية والداخلية في محاولة لتدارك الكارثة الإنسانية. فقد أدخلت مؤسسة "بارزاني" الخيرية، الثلاثاء 27 من كانون الثاني، قافلة جديدة تضم 50 شاحنة محملة بالمواد الإغاثية والطبية عبر معبر "سيمالكا" الحدودي مع العراق، ليتجاوز إجمالي الشاحنات التي أدخلتها المؤسسة خلال الأيام الماضية 200 شاحنة. كما أدخلت حملة "رنج رووداو"، الأربعاء 28 من كانون الثاني، قافلة مكونة من 80 شاحنة عبر معبر "سيمالكا"، محملة بمساعدات متنوعة. ووصلت قافلة مساعدات إنسانية مؤلفة من 29 شاحنة محملة بمواد غذائية وطبية عبر معبر "تل بارود" باتجاه مدينة القامشلي. وفي بلدة اليعربية، وصلت دفعة من المساعدات الحكومية تضمنت شاحنتين محملتين بمادة الطحين، تمهيدًا لتوزيعها على الأفران لدعم توفر مادة الخبز.
في ظل الانهيار الصحي المحتمل، أوفدت مديرية صحة دير الزور فريقًا يضم كوادر لقاح وتغذية ودعم نفسي إلى مخيم "الهول" شرق الحسكة. نفذت البعثة الطبية مسحًا تغذويًا شمل 150 طفلًا، وقامت بتلقيح 50 طفلًا من المتسربين عن برنامج التلقيح الروتيني، إضافة لتقديم لقاح الكزاز للنساء. وعلى الصعيد الشعبي، أطلق ناشطون إنسانيون حملة تحت مسمى "جابر عثرات الكرام"، تهدف إلى تجهيز وإرسال مساعدات غذائية عاجلة لدعم النازحين في ريف الحسكة.
بينما يستمر النزوح في جهة، يشهد ملف العودة تحركات محدودة ومحفوفة بالمخاطر. جرى تأمين عودة عدد من العوائل النازحة في مدينتي الحسكة والقامشلي إلى منازلهم في منطقة عفرين، بالتنسيق بين إدارة منطقة عفرين وقوى الأمن الداخلي في الحسكة، في محاولة لتخفيف الضغط السكاني عن مراكز الإيواء المزدحمة.
وتعيش محافظة الحسكة حالة من الترقب، مع استمرار صمود اتفاق "التهدئة" بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ظل الحديث عن مفاوضات مستمرة بين الطرفين لاستكمال تنفيذ اتفاق 18 من كانون الثاني الحالي الذي يتضمن أحد بنوده دمج كل المؤسسات المدنية في المحافظة ضمن مؤسسات الحكومة. ويبقى المشهد في الحسكة معلقًا بين آمال وصول المساعدات واستقرار الأوضاع الميدانية، وبين واقع يفرضه الوضع الإنساني ونقص الخدمات والمواد الأساسية الذي يهدد مئات الآلاف من المدنيين العالقين في صراع متواصل حتى اللحظة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي