رحلة العلاج المريرة من درعا إلى دمشق: معاناة الانتظار الطويل وغياب الخدمات الصحية


هذا الخبر بعنوان "من درعا إلى دمشق.. انتظار طويل بالعيادة لأن الخدمات لا تصل إلى الجميع" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ليست دمشق هي الأقرب، ولا طريقها هو الأسهل، بل إن غياب الخدمات الصحية عن درعا هو ما يدفع المرضى لبدء رحلة العلاج خارج مدينتهم. فعندما يشتد المرض في الأطراف، لا يجد الجسد المريض أمامه سوى العاصمة، مهما ارتفع الثمن ومهما طال الانتظار. وهكذا، يصبح السفر جزءاً لا يتجزأ من الخطة العلاجية، وتتحول العيادة من مجرد مكان للفحص إلى محطة أخيرة بعد استنزاف طويل وشاق.
انطلقت الكاتبة هدى الحراكي من "سناك سوري" مع أختها من درعا إلى دمشق فجراً، إيماناً منهما بالمثل القائل «البكير شوي بيفيد». لكن الواقع في العيادات يثبت أن الدور لا يعترف بالتبكير ولا يحترم التأخير، فالجميع يتساوى في مرارة الانتظار.
كان السؤال الموحد على ألسنة الجميع: «نحنا رقم كم؟». كانت وجهتنا عيادة أحد أطباء الهضمية في شارع الباكستان، حيث تتساوى معاناة المعدة والأعصاب، ويغدو الصبر مهارة لا تقل أهمية عن وصفة الطبيب نفسها. فالألم هنا لا يقتصر على الجسد، بل يمتد ليشمل النفس أيضاً.
ما إن وصلنا حتى بدأ الانتظار الطويل. جلسنا على كراسٍ قديمة، نراقب عقارب الساعة التي لا تتحرك، ونعد بلاط الأرضية في محاولة يائسة للحفاظ على هدوء أعصابنا. أما المرافقون، فكانوا يجاهدون ألا يصيبهم الجنون من طول الوقت وبرد اليوم القارس، رغم أن طقس دمشق كان دافئاً مقارنة بمدنهم.
كل دقيقة تمرّ كانت تبدو وكأنها ساعة، والوقت يتمدد بلا رحمة. الوجوه تتعب، والأجساد تتيبس بصمت مطبق، بينما السؤال ذاته يتردد في الأذهان: «نحنا رقم كم؟».
للانتظار هنا قوانينه غير المكتوبة وقواعده الصارمة. يجب على الطفل أن يجلس كتمثال، وإن تحرك قليلاً يأتيه الأمر فوراً: «اقعد!». المريض إذا تأوّه أو شكى، يُطالب بالتحمل والصبر. المرافق إذا حاول أن يسأل، يُجاب بحدة: «مو هلأ!». والجميع يلتزم الصمت خوفاً من الصراخ.
صوت الممرضة العالي كان حاضراً في كل مراحل الانتظار، وكأنه جزء لا يتجزأ من بروتوكول العلاج. مازحت الكاتبة أختها بأن الممرضة ربما كانت متخاصمة مع زوجها وجاءت "لتفش غلها فينا" في هذا المكان، حيث يصبح الصوت أعلى من الوجع نفسه.
والمشهد الأكثر إيلاماً وإثارة للسخرية هو مشهد كبار السن. امرأة تجاوزت السبعين، ظهرها مثني من عناء السفر، ويداها ترتجفان من التعب، قادمة من ريف حلب لتنتظر دورها على كرسي. عندما تحركت قليلاً لتريح ظهرها، صرخت الممرضة فيها: «ليش عم تتحركي؟ اقعدي يا خالة، حاج تدوري».
لا شك أن ضغط العمل كبير، وعدد المرضى هائل، وأن الكادر الطبي يبذل جهداً حقيقياً. لكن بعض التفاصيل الصغيرة، كنبرة الصوت ولغة التعامل، ما زالت خارج الحسابات. فالصراخ لا يخفف الزحمة، ولا يختصر الدور، ولا يشفي أحداً، لكنه، على ما يبدو، يمنح شعوراً وهمياً بالإنجاز.
ما إن يأتي دورك حتى يكون اللسان قد أصابه الشلل من طول الانتظار. وإن كنت ذكياً، حاول أن تتذكر ما كنت تريد أن تشكو للطبيب بعد ساعات من الترقب. فالجسم يكون قد تحول إلى صنم، العضلات مشدودة، والعظام متجمدة، وحتى الطبيب لا يعود قادراً على الفحص كما يجب، لأن التعب قد سبق الفحص.
بعد انتظار طويل، دخلنا أخيراً. والشهادة لله، الدكتور شاطر جداً، لكن الكشفية كانت "أشطر"؛ 150 ألف ليرة سورية بالعملة القديمة. تكررت أسئلة بلا إجابة: لماذا لا يوجد تسجيل إلكتروني؟ لماذا لا يوجد تنظيم دقيق للمواعيد؟ لماذا ننتظر ساعات طويلة لنحصل على خمس دقائق عند الطبيب؟ أسئلة تتكرر بلا جواب.
ضحكت الكاتبة مع أختها وقالت لها: «يلا من طرف الجيبة، إنت جاية من بلاد الاغتراب». ابتسمت الأخت بتعب وقالت: «المهم نخلص، وارجع لعند ابني». يصل المرء إلى مرحلة يدفع فيها أي مبلغ يطلب منه، فقط مقابل ألا ينتظر أكثر.
تحليل من هنا، ومراجعة طبيب من هناك، ثم العودة إلى الطبيب نفسه ليكتب أخيراً وصفة الدواء. العملية كلها استغرقت 12 ساعة كاملة.
عند العودة، وقبل أذان المغرب، قالت الكاتبة: «الحمد لله، المهم قبل أذان المغرب. معقولة وصلت عالشام وما أروح مشوار؟». قاطعتها أختها فوراً: «خلّينا نرجع، مشان ما نمشي بالليل بطريق السفر. لسا قدامنا ساعتين طريق، خلينا نمشي هلأ».
هنا تحطمت أحلام الكاتبة الصغيرة، واستسلمت للأمر الواقع، من دون جولة قصيرة في شوارع دمشق المزدحمة، حاملة تعب اليوم كله معها.
غادرت الكاتبة في رحلة استمرت 12 ساعة، لكنها لم تكن سفراً بالمعنى الحقيقي، بل انتظاراً مرهقاً في عيادة طبيب، لتعود بعدها إلى حبيبتها درعا، التي ربما أصابتها لعنة ضعف خدماتها. ترى الكاتبة سكان دمشق محظوظين في أشياء كثيرة، مثل عدم الاضطرار للسفر لأجل العلاج، وعدم تحمل عناء المواصلات لساعات طويلة. أما درعا، فهي بعينيها غزال، لكن ضعف الخدمات جعلها شبحاً... آه، شبح.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي