الشعر الزائد عند الفتيات: ضغط نفسي وتنمّر اجتماعي يدفع لتمني أن تكون صبياً


هذا الخبر بعنوان "“ما كان لازم أخلق بنت”: عندما تتمنى الفتاة أن تكون صبيَّا بسبب شعر جسدها" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
غالباً ما يُنظر إلى الشعر الزائد لدى الفتيات على أنه مجرد مسألة تجميلية يمكن حلها بسهولة، لكن الواقع اليومي يكشف أن تأثيره يتجاوز المظهر الخارجي بكثير. فبحسب تقرير لـ"سناك سوري" بقلم زينب سليمان، يتحول الشعر الزائد في سن مبكرة إلى مصدر ضغط نفسي مستمر، يؤثر على سلوك الفتاة، وخياراتها في اللباس، وعلاقتها بجسدها، كما يعيد تشكيل حدود تفاعلها في المدرسة، الشارع، والفضاء العام.
يتجلى هذا الضغط النفسي بوضوح داخل البيئة المدرسية، حيث تكشف التجارب اليومية للطالبات عن حجم تأثيره المباشر. تروي حنين، وهي في الصف السادس، كيف كانت تتذكر كلمات زملائها عن شكل حواجبها: «كانوا يقولون لي حواجبك متل الأوتوستراد، ليش مافي فاصل بيناتن؟». هذه الكلمات، التي قد تبدو مزحة عابرة، تتكرر يومياً وتترسخ في الذاكرة، محوّلةً الجسد إلى مساحة مراقبة دائمة.
في إحدى مدارس اللاذقية، تضيف نغم، البالغة من العمر 13 عاماً وتدرس في الصف السابع، بعداً آخر لهذا الضغط، حيث صرحت لـ"سناك سوري" قائلة: «كل رحلة مدرسية أو نشاط جماعي يبدأ بسؤال واحد: ماذا سترتدي؟ "ما بدي البس فستان، منشان ما يطلعوا فيّي ويضحكوا"». تعليقات مثل "ليش طالعلك شوارب مثل الصبيان؟" تترك أثراً عميقاً وطويل الأمد، وتحوّل الشعرة الواحدة إلى سبب للانسحاب الاجتماعي والتوتر.
«كانوا يقولولي حواجبك متل الأوتوستراد، ليش مافي فاصل بيناتن؟» تتذكر حنين (11 عاماً) هذه الكلمات التي شكلت جزءاً من تجربتها.
لا يقتصر هذا التأثير السلبي على البيئة المدرسية فحسب، بل يمتد إلى الأماكن العامة، حيث يمكن أن يتحول إلى إحراج مباشر. تروي مروة، 18 عاماً، لـ"سناك سوري" حادثة وقعت لها في وسيلة نقل عامة، حين بادرتها طبيبة بالتعريف عن نفسها، ثم شرعت في الحديث عن شعر وجهها وعرضت خدمات مركزها التجميلي. تقول مروة: «وقفت قدام الشباب بالسرفيس خجلانة. تاجرت بمشاعري لتخليني زبونة». هنا، يتخذ التنمر شكلاً من أشكال الاستغلال المباشر للضعف، محولاً الإحراج الشخصي إلى فرصة تجارية.
يتعزز الضغط اليومي بشكل كبير عبر منصات التواصل الاجتماعي. فمقاطع "الريلز" والإعلانات المصممة بعناية تعرض أشخاصاً يتحدثون عن تفاصيل حياتهم اليومية أو قضايا عامة، بينما تظل أجسادهم المصقولة هي العنصر الأكثر بروزاً. مع كل عملية تصفح، تمر صور لأجساد مشدودة، وبشرة خالية من العيوب، وحواجب مرسومة بدقة. تبدأ الأسئلة بالظهور تلقائياً: لماذا يبدو الآخرون هكذا؟ وهل يمكنني الوصول إلى هذا الشكل؟ ومع كل مقارنة، يتراجع الإحساس بالرضا عن الذات خطوة إضافية.
إن تعليقاً مثل "ليش طالعلك شوارب مثل الصبيان؟" يترك أثراً طويل الأمد، ويحوّل الشعرة نفسها إلى سبب للانسحاب والتوتر الاجتماعي. هذا النوع من الضغط لا يسهم في مساعدة الفتيات على تقبّل أجسادهن، بل يعمّق لديهن شعور النقص. فالمقارنة المستمرة، خاصة في سن المراهقة، تضع الفتاة في مواجهة نموذج جمالي غير واقعي، وتدفعها للتعامل مع جسدها كشيء يتطلب تصحيحاً دائماً، بدلاً من أن يكون مساحة طبيعية للعيش والنمو.
تشرح الأخصائية النفسية حنان عبد اللطيف حجم الضرر النفسي، وتوضح لـ"سناك سوري" أن: «التنمّر الجسدي، وخصوصاً في سن المراهقة الحساسة، قد يصيب الفتاة بالقلق والاكتئاب والعزلة، وقد يؤدي في كثير من الأحيان إلى كره الجسد وفقدان الثقة بالنفس، وصولاً إلى التفكير بالانتحار».
في ظل هذا المناخ، تبدأ رحلة إزالة الشعر لدى العديد من الفتيات. كانت سمر في الخامسة عشرة من عمرها عندما بدأت محاولتها الأولى للتكيف مع ما يُنظر إليه على أنه "طبيعي". كان شعر جسدها الكثيف يشكل مصدر قلق دائم لها، فاختارت الطريقة الأكثر شيوعاً في ذلك الوقت: إزالة الشعر بالسكر.
«كنت أقول على طول: ما كان لازم أخلق بنت… وكان لازم أخلق صبي» تتذكر سمر (15 عاماً) هذه الكلمات التي تعكس عمق معاناتها. كانت سمر ترى أن الألم الجسدي، مهما بلغت قسوته، أهون من ثقل الإحراج والمقارنة الاجتماعية. لم تكن جلسات إزالة الشعر مجرد إجراء روتيني بالنسبة لها، بل كانت تجربة مشحونة بالمشاعر. فمع كل مرة، كان الألم الجسدي يتداخل مع شعور أعمق بعدم الرضا عن الذات. تروي سمر أنها كانت تقارن نفسها باستمرار بصديقاتها وأختها. هذه الجملة تلخص حجم الضغط الداخلي الذي كانت تعيشه. لم تكن إزالة الشعر هدفاً بحد ذاته، بل محاولة لتهدئة شعور دائم بأن جسدها لا يتوافق مع المعايير المقبولة.
مع مرور الوقت، لم تعد هذه المحاولات كافية. فبعد تجارب متكررة مع إزالة الشعر بالسكر، اتجهت سمر إلى الليزر، معتبرة إياه "الحل السريع". تابعت إعلانات مراكز التجميل، وصدّقت الوعود بثقة طويلة الأمد. تنقلت بين مناطق مختلفة لإجراء الجلسات، منتظرة نتيجة حاسمة. لكن الواقع جاء مختلفاً؛ فالشعر لم يختفِ كما كانت تتوقع.
هنا، يتحول مسار القصة من مجرد مسألة تجميلية إلى سؤال طبي يتطلب اهتماماً خاصاً. تؤكد طبيبة الجلدية نورا ناصر على أهمية: «قبل التفكير بأي حلول لإزالة الشعر، يجب التأكد من عدم وجود سبب صحي، ومعالجة السبب الرئيسي في حال وُجد».
توضح طبيبة الجلدية نورا ناصر لـ"سناك سوري" أن التعامل مع الشعر الزائد كقضية شكلية بحتة قد يؤدي إلى تجاهل أسباب أساسية كامنة. وتشير إلى أنه: «في حالات كثيرة، يكون الشعر الكثيف مرتبطاً بتغيرات هرمونية طبيعية في سن المراهقة، أو بحالات صحية تتطلب تشخيصاً ومتابعة طبية، وليس مجرد جلسات تجميل».
مع مرور الوقت، تتحول عملية إزالة الشعر من مجرد خيار شخصي إلى سلوك مراقبة ذاتية مستمرة. يتضمن ذلك فحصاً دقيقاً للساقين، والإبطين، والوجه، والمناطق المخفية. لا يرتبط القلق بوجود الشعر بحد ذاته، بل بلحظة انكشافه المحتملة. يفقد الجسد عفويته، ويتحول إلى مساحة تفتيش ذاتي دائم.
تاريخياً، لم تكن إزالة الشعر قاعدة جمالية ثابتة. تشير الباحثة فيكتوريا شيرو في موسوعتها عن الشعر إلى أن دلالاته تغيرت عبر العصور. ففي مصر القديمة، ارتبط شعر جسد المرأة بالجمال والخصوبة. وفي اليونان، اقتصرت إزالته على الطبقات الغنية كعلامة على المكانة الاجتماعية. أما في أوروبا الحديثة، ومع صعود الحركات النسوية، فقد تحول شعر الجسد إلى موقف ورسالة سياسية. يوضح هذا السياق التاريخي أن ما يُنظر إليه اليوم كمعيار جمالي هو نتاج سياق اجتماعي وثقافي متغير، وليس حقيقة ثابتة أو طبيعية.
تؤكد الأخصائية النفسية حنان عبد اللطيف أن: «التنمّر الجسدي، وخصوصاً في سن المراهقة الحساسة، قد يصيب الفتاة بالقلق والاكتئاب والعزلة، وقد يؤدي في كثير من الأحيان إلى كره الجسد وفقدان الثقة بالنفس، وصولاً إلى الانتحار».
في الختام، تتضح أن قضية الشعر الزائد عند الفتيات لا يمكن فصلها عن منظومة أوسع تشمل التنمر، والصور الجمالية المثالية، والضغط النفسي، وأحياناً الإهمال الصحي. بين أروقة المدرسة، وشوارع المدينة، ومنصات التواصل الاجتماعي، وعيادات التجميل، تتشكل علاقة معقدة بالجسد تبدأ في سن مبكرة. تتطلب هذه القضية مقاربة أوسع تعترف بالأثر النفسي العميق، وتفصل بوضوح بين ما هو جمالي وما هو طبيعي، وتوفر للفتيات مساحة من الأمان والتقبل الذاتي، بدلاً من دفعهن المستمر نحو الإزالة والمراقبة الدائمة لأجسادهن.
ملاحظة: هذه المادة هي نتاج ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MiCT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.
صحة
صحة
صحة
صحة