صعود الذهب القياسي وتراجع الدولار: مؤشرات على أزمة ثقة عالمية وتحولات في النظام المالي


هذا الخبر بعنوان "الذهب يصعد والدولار يترنح.. هل هذا مؤشر على أزمة ثقة عالمية؟" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن الارتفاع القياسي في أسعار الذهب خلال عام 2025 مجرد طفرة عابرة أو نزعة مفاجئة لاقتناء المعدن الأصفر، بل كان انعكاساً مباشراً لأزمة ثقة عالمية عميقة تهزّ أركان النظام المالي الدولي. فالذهب، الذي لطالما وُصف بـ “ملاذ الأزمات”، عاد اليوم ليتصدر المشهد لا كأداة استثمارية فحسب، بل كلغة خوف جماعية ورسالة صامتة مفادها بأن العالم لم يعد يثق بالعملات كما كان من قبل. من متاجر التجزئة الأمريكية التي حدّت من بيع السبائك تحت ضغط الطلب الهائل، إلى البنوك المركزية التي تكدّس آلاف الأطنان بصمت، مروراً بمواطنين يبيعون مجوهراتهم أو يبحثون عن الذهب في النفايات الإلكترونية، يبدو أن الجميع يسير في اتجاه واحد: الهروب من الائتمان إلى المعدن.
تجاوز الذهب يوم الأربعاء مستوى 5300 دولار للأونصة لأول مرة، مدفوعاً بزيادة الطلب وسط تراجع الثقة بالدولار الأمريكي وتصاعد المخاوف بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي. هذا الصعود الاستثنائي جعل الذهب أحد أفضل الأصول العالمية في 2025 متفوقاً على الأسهم والعملات الرقمية التي شهدت انهيارات متتالية، بينما تبخرت تريليونات الدولارات من الأسواق، في مشهد يعكس حجم القلق الذي يخيّم على الاقتصاد العالمي. تاريخياً، ارتبط الذهب بالأزمات الكبرى: فبعد أزمة 2008 تضاعف سعره بأكثر من 100%، وخلال جائحة كورونا تجاوز حاجز 2000 دولار لأول مرة. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز النمط التقليدي، إذ يرتفع الذهب بالتوازي مع أصول عالية المخاطر، في سلوك نادر يعكس حالة “هلع استثماري” ليس بحثاً عن الربح فقط، بل خوفاً من المستقبل.
جوهر هذا الصعود لا يكمن في قوة الذهب، بل في ضعف الدولار. فقد فقدت العملة الأقوى عالمياً نحو 10% من قيمتها خلال 2025 في واحد من أسوأ أعوامها منذ نصف قرن، تحت ضغط عجز مالي تجاوز 36 تريليون دولار، وسياسات توسعية، وصراعات سياسية داخلية. ومع كل تراجع في قيمة الدولار، يصبح الذهب أكثر جاذبية للمستثمرين حول العالم، فتتعاظم شهية الطلب وتدخل الأسواق في حلقة صعود ذاتية. لكن الأخطر هو تآكل الثقة بالدولار كعملة احتياط عالمية، في ظل ديون متفاقمة وتدخلات سياسية تهدد استقلال السياسة النقدية.
خلف الكواليس، تقف البنوك المركزية كلاعب أساسي وصامت، فقد اشترت خلال السنوات الثلاث الماضية أكثر من 3200 طن من الذهب، بمعدل يفوق 1000 طن سنوياً، وهي مستويات غير مسبوقة منذ عقود. الأكثر لفتاً أن قيمة احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية تجاوزت لأول مرة قيمة سندات الخزانة الأمريكية، كما تفوق الذهب على اليورو ليصبح ثاني أكبر أصل احتياطي عالمي بعد الدولار. ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، يمثل الذهب نحو 27% من احتياطيات البنوك المركزية مقابل 23% فقط لسندات الخزانة الأمريكية. وهذا التحول لا يُقرأ اقتصادياً فقط، بل سياسياً أيضاً، وخاصة بعد تجميد الأصول الروسية عام 2022 الذي شكّل إنذاراً للدول الساعية لحماية احتياطاتها من العقوبات والتسييس.
لا يقتصر صعود الذهب على الولايات المتحدة، فالعالم بأسره يعيش اضطراباً سياسياً واقتصادياً جعل المعدن الأصفر الخيار الأكثر منطقية للتحوط، سواء لدى الدول أو المؤسسات أو الأفراد. لكن خلف هذا الصعود يقف المستهلك العادي خاسراً، فارتفاع الذهب لا يعني فقط أسعار سبائك أعلى، بل غالباً ما يسبق موجات تضخم وغلاء معيشة، حيث يُنظر إليه كـ “رسول السوق” الذي ينذر بارتفاع أسعار السلع الأساسية وتآكل القوة الشرائية، بينما يجد الأفراد أنفسهم عاجزين عن اقتناء غرامات قليلة بأسعار تفوق قدرتهم، ما يثير تساؤلات حول عدالة السوق واستقرار المجتمعات.
رغم التفاؤل السائد، يحذر بعض المحللين من أن أي تصحيح حاد أو بيع مفاجئ من كبار المشترين قد يطلق موجات هبوط مؤلمة، كما حدث بعد طفرة عام 1979. لكن في المقابل، تشير توقعات بنوك كبرى مثل “غولدمان ساكس” إلى أن الذهب لم يبلغ ذروته بعد، مع تقديرات تتراوح بين 4900 و6000 دولار للأونصة خلال السنوات المقبلة إذا استمرت الظروف الحالية. ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد “حمّى ذهب” بل تصويت عالمي صامت ضد النظام المالي القائم، فالذهب لا يرتفع لأنه قوي فقط، بل لأن الثقة بالبدائل تنهار، وحتى إشعار آخر، يبدو أن المعدن الأصفر عاد ليؤدي دوره التاريخي: درع الحماية الأخير في عالم مثقل بالديون ومشحون بالمخاطر.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد