الحمّامات الأثرية والمسابح الشتوية في إدلب: صراع التراث مع التكاليف الباهظة وتغير أنماط الحياة


هذا الخبر بعنوان "الحمّامات الأثرية والمسابح الساخنة.. تقاليد شتوية وتراث شعبي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إحدى حجرات حمّام أثري بمحافظة إدلب، تتصاعد أعمدة البخار ممزوجة برائحة الصابون وعبق حجارة المكان العتيقة. ينساب الماء بهدوء على بلاطه، تتخلله ضحكات متقطعة وصوت منشد يشدو "أوووف"، بينما تعلو أصوات ضرب الكفوف ونداءات "يا عين يا ليل". هذا المشهد، الذي وصفه شمس الدين الأحمد، يتكرر مع حلول ليالي الشتاء الباردة، حيث تستعيد الحمّامات الأثرية والمسابح الشتوية نشاطها لاستقبال الزوّار، مقدمة طقوساً دافئة تتجاوز مجرد الاستحمام لتصل إلى استعادة الذكريات.
تُشكل هذه الحمّامات جزءاً لا يتجزأ من التراث الشعبي للمنطقة وذاكرتها الحية. لم تقتصر وظيفتها يوماً على كونها مجرد أماكن للاستحمام، بل تطورت لتصبح فضاءات اجتماعية حيوية ارتبطت بعادات شتوية متوارثة، ما زالت قائمة حتى اليوم، وإن كانت بوتيرة أقل مما كانت عليه في الماضي. تحتفظ معظم الحمّامات بتقسيمها التقليدي المعروف، بدءاً من البرّاني فالوسطاني وصولاً إلى الجواني، بالإضافة إلى غرف البخار والأحواض الحجرية. يمنح هذا التصميم الزائر تجربة فريدة تختلف عن المرافق الحديثة، ويعيده إلى عبق المكان وطقوسه العريقة.
يرتبط نشاط هذه الحمّامات بشكل شبه كامل بفصل الشتاء، حيث تبدأ الحركة مع أول انخفاض ملموس في درجات الحرارة، وتصل ذروتها خلال شهري كانون الأول وكانون الثاني، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع. ورغم تراجع الإقبال مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أنه لا يزال مستقراً نسبياً، خصوصاً بين فئة الشباب الذين يرون في الحمّام تقليداً شتوياً ومكاناً للسهر لا غنى عنه.
في مدينة أرمناز بريف إدلب، يستقبل حمّام "العتيق" الأثري زوّاره لموسم شتوي محدود لا يتجاوز شهرين إلى ثلاثة أشهر سنوياً. صرّح إبراهيم جهار، صاحب الحمّام، لصحيفة "الثورة السورية" بأن الموسم الحالي يُعد الأصعب من حيث التشغيل، وذلك بسبب الارتفاع الكبير في أسعار مواد الحرق المستخدمة لتسخين المياه، سواء البيرين أو الحطب.
وأوضح جهار أن الحمّام يتطلب تشغيلاً متواصلاً للحفاظ على حرارة المياه، مما يزيد من كلفة الوقود، خاصة في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وصعوبة إيجاد بدائل. وأشار أيضاً إلى أعباء الصيانة الدورية التي أصبحت تشكل ضغطاً إضافياً مع تراجع الإيرادات، مؤكداً أن الإقبال لا يزال محدوداً، حيث تستقبل معظم الليالي أعداداً قليلة من الزوّار.
وبيّن جهار أن ملكية الحمّام تعود إلى مديرية الأوقاف، وأن استمراره في إدارته ينبع من حرصه على الحفاظ على هذا المعلم التراثي الذي يخدم أهالي المدينة وريفها، أكثر من كونه مشروعاً ربحياً. لا يقدم الحمّام خدمات إضافية سوى المشروبات الساخنة، بينما يفضل بعض الزبائن إحضار طعامهم وأراكيلهم الخاصة للاستمتاع بها في الليوان.
يُعد حمّام الطاهرية في حي الصليبة بمدينة إدلب من أبرز المعالم الأثرية التي صمدت حتى اليوم، ويعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من قرن. بعد إغلاق استمر نحو خمسين عاماً، أُعيد افتتاحه في عام 2020 بعد خضوعه لأعمال ترميم دقيقة حافظت على طابعه المعماري التقليدي الأصيل.
يتميز الحمّام بتصميمه الذي يحاكي الحمّامات الشعبية القديمة، حيث يؤدي البرّاني إلى الوسطاني، ومنه إلى ساحة صغيرة تتوسطها قبة مزودة بفتحات للتهوية وإدخال الضوء. تحيط بهذه الساحة غرف صغيرة تضم صنابير نحاسية وأجراناً حجرية.
وأفاد حيدر غرير، صاحب الحمّام، لصحيفة "الثورة السورية" بأنه يضطر خلال فصل الشتاء إلى استخدام الحطب بالإضافة إلى حرّاق المازوت لتدفئة المياه والأجواء الواسعة للحمّام. وأشار أيضاً إلى تكاليف تعبئة المياه عبر الصهاريج، نظراً لعدم وجود بئر داخل الحمّام.
يمتد الحمّام على مساحة تقارب 420 متراً مربعاً، ويستقبل زوّاراً من مختلف الأعمار، خصوصاً أولئك الباحثين عن تجربة استحمام تقليدية تجمع بين الخدمة والبعد الثقافي.
وأوضح غرير أن تمسكه بالحفاظ على الحمّام ينبع من حرصه على عدم اندثار مهنة العائلة، وعلى استمرارية هذا التقليد الشعبي العريق الذي ارتبط بحياة الناس لسنوات طويلة.
وأضاف أن الظروف المعيشية الصعبة أثرت بشكل كبير على الإقبال، حيث أصبح الكثيرون ينظرون إلى حمّام السوق كنوع من الرفاهية. لم تعد زيارته منتظمة كما في السابق، بل اقتصرت على مناسبات محددة مثل الطهور والطقموشة والصباحية.
ويستذكر غرير الماضي حين كانت الحمّامات ملاذاً للعائلات في الشتاء بسبب غياب الحمّامات المنزلية، مؤكداً أن الواقع اليوم قد تغير. فرغم أن أجرة الدخول لا تتجاوز ثلاثة دولارات، إلا أنها تعادل أجر يوم عمل كامل لشريحة واسعة من الأهالي.
إلى جانب الحمّامات الأثرية، ظهرت المسابح الشتوية في ريف إدلب خلال السنوات الأخيرة كخيار حديث يلبي احتياجات شريحة من الأهالي، خاصة الشباب والعائلات. من بين هذه المسابح، منتجع يقع على أطراف معرّة مصرين، يضم بركاً ساخنة ومساحات واسعة للجلسات وأنشطة ترفيهية متنوعة. ورغم ارتفاع تكلفة الدخول إليه مقارنة بالحمّامات التقليدية، إلا أن الإقبال عليه يظل ملحوظاً في أوقات الذروة.
أوضح نجدت حمادة، الإداري والمشرف على المنتجع، أن ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية قد غيرا نمط ارتياد هذه المرافق. وبيّن أن الزيارات أصبحت أقل وتقتصر غالباً على مرة واحدة شهرياً، بعد أن كانت أسبوعية لدى العديد من الأهالي.
وأضاف حمادة، في حديثه لصحيفة "الثورة السورية"، أن القائمين على الحمّامات والمسابح سعوا لضبط الأسعار قدر الإمكان، لكن ارتفاع أسعار الوقود والمياه والكهرباء فرض زيادات محدودة أثرت مباشرة على عدد الزوّار. وأشار إلى أن المنتجع يضم مسبحاً بمياه ساخنة، وتبلغ أجرة الدخول نحو ستة دولارات للشخص، مع إمكانية حجز ساعات خاصة أو أقسام مخصصة للعائلات.
وتابع حمادة أن المنتجع لا يقتصر على السباحة فحسب، بل يوفر خدمات مرافقة مثل المأكولات والمشروبات والأركيلة. يقضي الشبان فيه أوقاتاً طويلة في أجواء اجتماعية تتخللها الأحاديث والجلوس في المياه الساخنة، مما يشكل نوعاً من الترفيه المحدود في ظل الظروف الراهنة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي