زيارة الشرع لموسكو: مباحثات استراتيجية حول مستقبل سوريا بعد “قسد” وإعادة تموضع القوات الروسية


هذا الخبر بعنوان "دمشق وموسكو تبحثان ما بعد “قسد” وإعادة التموضع الروسي" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تصدرت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الروسية موسكو، اليوم الأربعاء، واجهة الأحداث السياسية، وذلك لتزامنها مع تحولات ميدانية وسياسية عميقة شهدتها الجزيرة السورية خلال الأسابيع الماضية. تأتي هذه الزيارة بعد سيطرة الجيش السوري على مدن الرقة ودير الزور وأجزاء واسعة من محافظة الحسكة، عقب مواجهات أدت إلى تراجع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عن مناطق كانت لسنوات خارج سيطرة دمشق. تفتح الزيارة الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الملفات المطروحة، وما إذا كانت تقتصر على ترتيبات ما بعد انحسار نفوذ “قسد” في الجزيرة السورية، أم أنها تمتد لإعادة صياغة أوسع للعلاقة السورية–الروسية، تشمل الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية، بالإضافة إلى أدوار موسكو الإقليمية في ظل المشهد السوري الجديد.
أفادت الرئاسة السورية في بيان لها أن اجتماعًا موسعًا عُقد في قصر الكرملين بموسكو، جمع الرئيس أحمد الشرع والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحضور كبار المسؤولين من الجانبين. أكد الشرع خلال الاجتماع على عمق العلاقات السورية–الروسية وأهمية الدور الروسي في دعم وحدة سوريا واستقرارها، مشيرًا إلى أن سوريا تجاوزت تحديات كبرى خلال العام الماضي، كان آخرها توحيد أراضيها، ومعربًا عن الأمل بالانتقال إلى الاستقرار والسلام.
من جانبه، رحّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الشرع، مؤكدًا العمل على تنمية العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية. وأشار بوتين إلى أن العلاقات بين البلدين ذات جذور عميقة وتشهد تطورًا متواصلًا، وأن عودة مناطق شرق الفرات إلى سلطة الدولة السورية تشكّل خطوة مهمة في تعزيز وحدة الأراضي السورية، وفقًا للبيان.
خلال استقباله للشرع، أكد بوتين قائلًا: “لقد كنا نتابع عن كثب جهودكم فيما يتعلق باستعادة وحدة أراضي سوريا، وأود أن أهنئكم على حقيقة أن هذه العملية تكتسب زخمًا”. وأضاف: “لقد دعونا دائمًا إلى استعادة وحدة أراضي سوريا – كما تعلمون – وندعم جميع جهودكم في هذا الاتجاه”. وأعرب بوتين عن أمله في “أن يكون دمج منطقة الفرات خطوة مهمة بلا شك في هذا الاتجاه، وسيسهم في استعادة وحدة أراضي سوريا بشكل عام”.
تتزامن زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو مع تطورات ميدانية لافتة، أبرزها بدء انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي في ريف الحسكة. وُصفت هذه الخطوة بأنها مؤشر على إنهاء الوجود العسكري الروسي في مناطق بالجزيرة السورية، بالتوازي مع تمدد سيطرة الجيش السوري على معظم مناطق الجزيرة السورية.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر سورية أن القوات الروسية باشرت منذ أيام إخلاء قاعدتها العسكرية في مدينة القامشلي، ونقل الجنود والمعدات إلى قواعدها في ريف اللاذقية، موضحة أن الانسحاب يتم بشكل تدريجي منذ الأسبوع الماضي، مع توقعات بنقل جزء من القوات إلى قاعدة حميميم الجوية، وعودة جزء آخر إلى الأراضي الروسية. وفي السياق ذاته، ذكرت الوكالة أن صحيفة “كوميرسانت” الروسية نقلت عن مصدر سوري، لم تُسمّه، أن الحكومة السورية قد تطلب رسميًا من القوات الروسية مغادرة القاعدة بعد إخراج القوات الكردية منها، باعتبار أن “مبررات الوجود الروسي في المكان لم تعد قائمة”.
يرى الدكتور محمود الحمزة، الباحث والمحلل السياسي، في حديث لمنصة سوريا 24، أن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو تُعد الثانية من نوعها، بعد زيارة سابقة جرت في 15 تشرين الأول الماضي. لكنها تأتي هذه المرة في “لحظة شديدة الحساسية”، عقب سيطرة دمشق على مساحات واسعة كانت خاضعة لـ“قسد”، ولا سيما في دير الزور والرقة وشرق حلب وأجزاء من الحسكة. ويشير الحمزة إلى أن تزامن الزيارة مع بدء انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي يمنحها دلالة خاصة، مرجحًا أن تشمل أجندتها ملفات متنوعة، اقتصادية وعسكرية وأمنية وسياسية، وفي مقدمتها مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا. ويضيف أن العلاقات بين دمشق وموسكو شهدت خلال العام الأخير تبادلًا مكثفًا للزيارات والمباحثات، ما أفضى إلى تفاهمات تحتاج اليوم إلى “بصمات نهائية” من الرئيسين.
بحسب الحمزة، من المرجح أن تتناول المباحثات مصير القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم، مع احتمال تحويلهما إلى قواعد ذات طابع لوجستي وإنساني، وهو ما سبق أن أشار إليه الجانب الروسي في تصريحات سابقة. كما يُتوقع بحث ملفات إعادة تدريب الجيش السوري، وتزويده بالسلاح، وصيانة المعدات العسكرية القديمة التي خلّفها النظام السابق. وفي ما يخص ملف “قسد”، يؤكد الحمزة أن الحكومة السورية لا ترغب في الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة، وتسعى إلى حل سياسي، معوّلة على دور روسي إيجابي في إدارة هذا الملف، إلى جانب دور موسكو في الجنوب السوري، بحكم علاقاتها مع إسرائيل وقدرتها على الانتشار هناك دون اعتراض إسرائيلي مباشر.
من جانبه، يرى الباحث الروسي ديمتري بريجع، في حديث لمنصة سوريا 24، أن زيارة الرئيس السوري إلى موسكو تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تشكّل اختبارًا حقيقيًا لإمكانية إعادة بناء العلاقة الروسية–السورية على أسس جديدة، بعد مرحلة انتقالية حساسة، وفتح مسار لترتيب ملفات أمنية واقتصادية معلقة. ويقول بريجع إن أهمية الزيارة تكمن في تثبيت قناة سياسية مباشرة على مستوى القمة، بما يعني اعترافًا متبادلًا بضرورة إدارة الخلافات ضمن إطار تفاوضي واضح، وتحويل العلاقة من عبء سياسي ثقيل إلى “شراكة وظيفية” قائمة على المصالح القابلة للتنفيذ.
بحسب بريجع، تسعى موسكو إلى ضمان مستقبل قواعدها العسكرية والتكيف مع الواقع الجديد في سوريا، مع الحفاظ على هامش نفوذ يمنع تآكل موقعها في شرق المتوسط، فيما تركز دمشق على تثبيت سيادتها، وإدارة ملفات الأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، واحتواء بؤر عدم الاستقرار. ويضيف أن تعزيز التنسيق الروسي–السوري قد ينعكس على خفض احتمالات الاحتكاك العسكري، وتطوير آليات أدق لإدارة مناطق التداخل، سواء في الشمال الشرقي أو الجنوب السوري، بما في ذلك ملف الغارات الإسرائيلية والتوترات الأمنية المرتبطة بها.
على الصعيد الاقتصادي، يقلّل بريجع من توقعات “الطفرة السريعة”، معتبرًا أن التعاون التجاري بين البلدين في المدى القريب سيكون أقرب إلى “اقتصاد تشغيل” يركّز على الحبوب والطاقة والكهرباء، وإعادة تأهيل البنية التحتية والموانئ، عبر مشاريع مرحلية قابلة للتمويل والتنفيذ. ويشير إلى أن العقبة الدائمة تبقى في قنوات الدفع والتمويل والتأمين، ما يدفع الطرفين للبحث عن صيغ مرنة للتسويات، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بدلًا من التعويل على استثمارات ضخمة يصعب تحقيقها في الظروف الحالية.
في المحصلة، تبدو زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو محطة مفصلية في مسار إعادة ترتيب العلاقة السورية–الروسية، في ظل مشهد داخلي وإقليمي متغيّر. وبينما تعوّل دمشق على دعم روسي يواكب تثبيت سيادتها وإعادة بناء مؤسساتها، تسعى موسكو إلى الحفاظ على موطئ قدم فاعل في سوريا، دون الانزلاق إلى أعباء سياسية وعسكرية جديدة. وستبقى نتائج الزيارة، وما قد تفضي إليه من اتفاقيات مكتوبة أو تفاهمات سياسية واضحة، محط متابعة دقيقة، باعتبارها مؤشرًا على شكل المرحلة المقبلة في سوريا، وعلى ملامح الدور الروسي في إعادة رسم توازنات المنطقة.
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي