إسبانيا تتحدى التوجه الأوروبي: خطة تاريخية لتسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير نظامي لدعم الاقتصاد والاندماج


هذا الخبر بعنوان "عكس التيار الأوروبي.. إسبانيا تتجه لتسوية أوضاع نصف مليون مهاجر" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة جريئة تخالف التشدد المتصاعد في سياسات الهجرة عبر القارة الأوروبية، أعلنت الحكومة الإسبانية اليسارية عن خطة جديدة تهدف إلى تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين. من المتوقع أن يستفيد من هذا الإجراء نحو 500 ألف شخص، وتؤكد مدريد أنه سيسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الاندماج الاجتماعي.
وصفت وزيرة الضمان الاجتماعي والهجرة، إلما سايز، هذا اليوم بأنه "يوم تاريخي" لبلادها، مشددة على أن الحكومة تقدم "نموذجًا للهجرة قائمًا على حقوق الإنسان، وعلى الاندماج والتماسك المجتمعي". وأضافت سايز أن الهدف من هذه الخطوة هو "حماية كرامة الأشخاص ومنحهم الضمانات والفرص، وضمان حقوق أولئك الذين يعيشون بالفعل في بلادنا".
بموجب الإجراء الحكومي الذي أُقر يوم الثلاثاء الماضي (27 كانون الثاني/ يناير 2026)، سيتمكن كل من أقام في إسبانيا لمدة لا تقل عن خمسة أشهر قبل 31 كانون الأول/ ديسمبر 2025 من الحصول على إقامة قانونية والعمل بحرية في أي منطقة أو قطاع. وأوضحت الوزيرة أن فترة تقديم الطلبات ستمتد من نيسان/ أبريل وحتى 30 حزيران/ يونيو. لإثبات الإقامة خلال المدة المطلوبة، يمكن للمتقدمين تقديم عقد إيجار أو تقارير طبية أو إيصالات حوالات مالية. ويُستثنى من هذا الإجراء ذوو السوابق الجنائية، وفقًا لتقرير صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه" الألمانية.
وأشارت الصحيفة إلى أنه في حال الموافقة على الطلب، يُمنح تصريح إقامة مؤقت يسمح لمقدم الطلب بالعمل بشكل قانوني والاستفادة من خدمات الرعاية الصحية العامة. بعد عام واحد، يمكن التقدم بطلب للحصول على تصريح إقامة نظامي طويل الأجل.
لتمرير هذه الخطة بسرعة وتجاوز عقبة البرلمان، لجأت حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز إلى "مرسوم ملكي". هذه الآلية التشريعية يتيحها الدستور وتُنشر مباشرة في الجريدة الرسمية دون الحاجة إلى تصويت برلماني، وهو ما يناسب وضع الحكومة التي لا تتمتع بالأغلبية.
تتبنى مدريد سياسة انفتاح نسبي على الهجرة، مدفوعة بأسباب اقتصادية، وهو ما يتعارض مع التوجه الأوروبي العام. سبق لسانشيز أن أكد أن 80 بالمئة من النمو الاقتصادي في السنوات الست الماضية يعود للمهاجرين، قائلاً: "نحن بلد يناصر بقوة نموذجًا قانونيًا وآمنًا ومنظمًا للهجرة، على أن يكون منفتحًا وإنسانيًا أيضًا، في مواجهة من يدعون إلى إغلاق الحدود".
جاء الإعلان عن هذه الخطة لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين بالتزامن مع صدور بيانات مشجعة حول سوق العمل، حيث انخفض معدل البطالة في الربع الأخير من عام 2025 إلى أقل من 10 بالمئة لأول مرة منذ عام 2008. ويحتاج سوق العمل الإسباني بشدة إلى المهاجرين، الذين ساهموا بشكل كبير في نمو الاقتصاد بنسبة 2.9 بالمئة العام الماضي، وشغل الأجانب أكثر من نصف الوظائف المستحدثة في قطاعات الضيافة والبناء والزراعة.
كما أشارت صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه" إلى تعديل قانون الهجرة العام الماضي، حيث أصبح بإمكان المتقدمين الآن طلب الإقامة الدائمة بعد عامين فقط بدلاً من ثلاث سنوات. ويجب على المهاجرين إثبات اندماجهم في المجتمع، ويشمل ذلك إثبات الإقامة، وعرض عمل من جهة معترف بها بحد أدنى 30 ساعة أسبوعيًا، وسجل جنائي نظيف من بلدهم الأصلي.
تعد إسبانيا، إلى جانب إيطاليا واليونان، أحد المداخل الرئيسية للهجرة نحو أوروبا، خصوصًا عبر جزر الكناري. وقد سجلت البلاد وصول 37 ألف مهاجر غير نظامي عام 2025، بانخفاض بلغ 42.6 بالمئة مقارنة بعام 2024، وفقًا لوزارة الداخلية. وبحسب المعهد الوطني للإحصاء، يعيش داخل إسبانيا أكثر من سبعة ملايين أجنبي من أصل 49.4 مليون نسمة.
في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أقرت الحكومة آلية لتسوية أوضاع 300 ألف مهاجر سنويًا لمدة ثلاث سنوات، استجابة لشيخوخة السكان ومتطلبات القوانين الأوروبية. وتشير بيانات مركز "فونكاس" للأبحاث إلى أن 91 بالمئة من المهاجرين غير النظاميين في البلاد، والبالغ عددهم حاليًا 840 ألفًا، هم من أمريكا اللاتينية، وتتصدر كولومبيا القائمة (290 ألفًا) تليها بيرو وهندوراس، ما يجعلهم الفئة الأكثر استفادة من الإجراء الجديد. وبين المهاجرين من أمريكا اللاتينية الكثير من النساء اللواتي يعملن في مجال رعاية المسنين والتمريض وكمربيات أطفال.
حظي الإجراء الحكومي الجديد بترحيب حزب "بوديموس"، الشريك اليساري المتطرف في الائتلاف الحاكم، بعد اجتماعه مع الحكومة. لكنه أثار أيضًا انتقادات حادة من اليمين واليمين المتشدد. وكتب زعيم الحزب الشعبي، أكبر أحزاب المعارضة، ألبرتو نونيز فيخو على أكس: "في إسبانيا الاشتراكية، تُكافَأ مخالفة القوانين"، معتبرًا أن هذه السياسة "المجنونة" ترمي إلى صرف الانتباه عن حادث القطار الذي أوقع في 18 كانون الثاني/ يناير 45 قتيلًا. أما زعيم حزب "فوكس" اليميني المتطرف سانتياغو أباسكال، فشن هجومًا لاذعًا على سانشيز واصفًا إياه بأنه "طاغية يكره الشعب الإسباني ويريد إحلال شعب آخر مكانه".
يأتي هذا الإصلاح استجابة لمبادرة شعبية وقّع عليها أكثر من 600 ألف شخص وساندتها نحو 900 جمعية، تدعو إلى تسوية استثنائية لأوضاع جميع المهاجرين غير النظاميين. وتعد الخطة الإسبانية هذه أكثر من مجرد إجراء إداري لتسوية أوضاع المهاجرين، إذ أنها تربط بين إدارة الهجرة وتحسين الأداء الاقتصادي وتعزيز التماسك الاجتماعي. وهي خطوة لها تداعيات سياسية داخلية واضحة، وقد تشكل اختبارًا لقدرة مدريد على موازنة مصالحها الاقتصادية مع حساسيات المشهد السياسي العام، في لحظة أوروبية تتسم بتعقيد كبير في إدارة ملف الهجرة. تحرير: عماد غانم
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة