نضال الخضري: قرارات 'المكياج' و'لباس البحر'.. هندسة الهوية السورية ومستقبل الحريات


هذا الخبر بعنوان "القرارات التفصيلية والهوية الثقافية" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى نضال الخضري أن الصدمة السورية، بتفاصيلها الدقيقة، ليست عشوائية. فكلما اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر يهدف إلى التحكم بحياة الأفراد، يتزايد الشك حول طبيعة الهوية التي تُرسَم لسوريا المستقبل. وعلى الرغم من أن قرار منع "المكياج" في الدوائر الحكومية بمدينة اللاذقية قد يبدو هامشياً وسط الهموم السورية الكبرى، إلا أنه يمثل حلقة ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات الإدارية التي "تهندس" حياة السوريين.
إن محاولة رسم هذه الوقائع بصورة كوميدية تبقيها في حدود "الصدمة النفسية" فقط. وربما ستتذكر الأجيال لاحقاً أن بعض هذه القرارات ستصبح جزءاً من عملية إعادة تثبيت علاقات اجتماعية خاصة في سوريا. فـ"المكياج" و"لباس البحر" وغيرها تُعد أشكالاً تقليدية ترتب خلفية المشهد العام، وتسمح لاحقاً بتكوين صورة خاصة لسوريا، ربما بعد سنوات، بعد تصفية الكثير من "الحريات الفردية"، مما يمحو هوية سوريا المنفتحة والمتنوعة.
لا يمكن النظر إلى هذه القرارات بوصفها "مزاجاً إدارياً" معزولاً أو اجتهادات محلية عابرة. بل هي مؤشرات على تصور أوسع للفضاء العام، وللعلاقة بين السلطة والمجتمع. فحين تُنظَّم التفاصيل الصغيرة بهذا القدر من الصرامة، يصبح السؤال: ماذا يُبنى على المدى البعيد؟ وما نوع المواطن الذي يُراد إنتاجه في سلسلة من التعليمات والقيود؟
في التجارب التاريخية المقارنة، غالباً ما تبدأ إعادة تشكيل الهوية الجماعية من التفاصيل اليومية، لا من الشعارات الكبرى. تبدأ من اللباس والمظهر واللغة المستخدمة في المؤسسات، وحتى الإيماءات المقبولة اجتماعياً. إنها أدوات ناعمة لكنها فعالة في إعادة ضبط المجال العام.
المفارقة أن هذه السياسات تُقدم أحياناً باسم "الذوق العام" أو "القيم الاجتماعية"، من دون تعريف واضح لمن يملك حق تحديد هذه القيم، ولا كيف يمكن لمجتمع متنوع ثقافياً ودينياً وإثنياً وجغرافياً أن يُختزل في نموذج واحد للسلوك والمظهر. فاللاذقية، كما غيرها من المدن السورية، ليست كتلة واحدة؛ بل هي فضاء تاريخي مفتوح، تشكل عبر عقود من التفاعل بين الريف والمدينة، وبين المحلي والوافد، وبين التقليدي والحديث. ومحاولة فرض قالب واحد على هذا التنوع لا تنتج انسجاماً؛ بل توترات كامنة تظهر لاحقاً بأشكال مختلفة.
إن اعتياد هذه القرارات هو الأخطر، فحين يصبح التدخل في الخيارات الفردية أمراً طبيعياً، تتراجع القدرة على الاعتراض، ويتحول النقاش العام من سؤال "هل يحق لهم؟" إلى "كيف نتعامل مع القرار؟". هنا تحديداً تُفرَّغ السياسة من بُعدها العام، وتتحول إلى إدارة يومية للسلوك، بينما يُدفع المجتمع إلى استراتيجيات صامتة للتكيف بدل المواجهة أو الحوار.
إن قرارات مثل "المكياج" أو "لباس البحر" أو "منع الذكور من بيع الملابس النسائية" تمثل إيديولوجيا في الحكم والإدارة، ترى المجتمع مادة قابلة للتشكيل، والأفراد عنصراً يجب ضبطه. بينما الرهان الحقيقي يكمن في توسيع مساحات الحرية المسؤولة، وبناء عقد اجتماعي يعترف بتعدد السوريين بدل السعي إلى تشابههم القسري. فالتفاصيل الصغيرة ليست هامشاً سياسياً؛ بل مدخل صريح إلى شكل الدولة ونمط علاقتها بمواطنيها. والسؤال اليوم: هل تدار الهوية بوصفها تنوعاً حياً، أم تُختزل في قرارات تراكم الصمت من أجل التحول البطيء نحو هوية ثقافية أحادية غريبة؟
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة