تعميم منع المكياج للعاملات في اللاذقية يثير جدلاً حقوقياً وقانونياً واسعاً


هذا الخبر بعنوان "انتقادات قانونية وحقوقية لتعميم منع “المكياج” للعاملات باللاذقية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار تعميم صادر عن محافظة اللاذقية، يقضي بمنع العاملات في المؤسسات العامة من وضع “المكياج” خلال الدوام الرسمي، جدلاً واسعاً وانقساماً بين السوريين. فقد اعتبر حقوقيون وقانونيون هذا التعميم تعسفياً وغير قانوني، مؤكدين أنه يحدّ من الحريات الشخصية ويتعارض مع التزامات سوريا الدستورية والدولية.
انقسم المواطنون بين معارض للتعميم، حيث رأى البعض فيه تدخلاً مباشراً في الحريات الشخصية للمرأة في مدينة اللاذقية، خاصة أنه يخص محافظة واحدة فقط. وانتقد هؤلاء تركيز المحافظ على قضايا كهذه في حين أن هناك أموراً خدمية أكثر أهمية تستدعي الأولوية. بالمقابل، أيد تيار آخر التعميم، معتبراً أنه يساهم في الحفاظ على “قدسية المؤسسات الحكومية واحترامها”.
في توضيح رسمي، صرحت مديرية الإعلام في محافظة اللاذقية بأن التعميم المنسوب إلى المحافظ لا يهدف إلى التضييق على الحريات الشخصية التي يصونها الإعلان الدستوري. واعتبرت المديرية أن الجدل المثار حوله يعكس وعياً مجتمعياً وحرصاً على الشراكة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. وأكدت في بيان نشرته بتاريخ 27 من كانون الثاني، أن “التأكيد لا يتعلق بالمنع، بل بتنظيم المظهر الوظيفي وتجنب المبالغة باستخدام المواد التجميلية”، بهدف تحقيق التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات بيئة العمل الرسمية وصورة المؤسسة أمام المواطنين، مع التعهد بالتعامل الإيجابي مع الملاحظات وتوضيح أي لبس في الفهم أو التطبيق.
لم يهدأ الجدل القانوني والحقوقي حول مضمون التعميم حتى بعد صدور التوضيح الرسمي. فقد اعتبر قانونيون أن ما ورد في التوضيح لا يبدد الإشكاليات التي أثارها التعميم، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بمشروعيته وحدود تدخل الإدارة في الحريات الشخصية.
من جانبه، وصف المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وهي منظمة حقوقية مقرها باريس، بسام الأحمد، الاعتراضات على التعميم بأنها “محقّة جدًا”. واعتبر الأحمد، من الناحية القانونية، أن التعميم “شبه فضيحة للمشرّع السوري”، لكونه يتعارض بشكل أساسي مع التزامات سوريا الدولية بوصفها جزءاً من المنظومة الأممية. وأوضح الأحمد لعنب بلدي أن المظهر الخارجي واللباس يدخلان ضمن حرية التعبير غير اللفظية، وأن التدخل فيهما يمثل انتهاكاً لحرية التعبير الشخصية، إضافة إلى كونه يكرّس تمييزاً ضد النساء في بيئة العمل.
بدوره، رأى الخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، في حديث إلى عنب بلدي، أن التبرير الرسمي “عذره أقبح من ذنبه”. وأوضح الكيلاني أن الادعاء بعدم التضييق يتناقض مع الأثر العملي للقرار، إذ إن منع وضع “المكياج” في أثناء الدوام الرسمي يشكل تقييداً مباشراً للمظهر الشخصي، وهو تدخل لا يجوز قانوناً إلا بوجود أساس قانوني صريح ومبرر موضوعي يتعلق بالنظام العام أو السلامة العامة.
من الناحية الحقوقية، أكد بسام الأحمد لعنب بلدي أن هذا التدخل الحكومي يمس استقلالية الأفراد، ويطول النساء بشكل أساسي، وهو تدخل تعسفي لا تبرره أي ضرورة قانونية أو أمنية، ولا يستند إلى مبررات حقيقية، بما في ذلك الذرائع المرتبطة بالأمن أو النظام العام.
وأشار الأحمد إلى أن التعميم يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يُعد مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ما يُعرف بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وسوريا طرف موقع ومصدّق عليها. وبيّن أن القرار ينتهك المادة “17” من العهد، التي تنص على عدم جواز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير مشروع في خصوصياته، مؤكداً أن التدخل في المظهر الخارجي، سواء تعلق بـ”المكياج” أو اللباس، يُعد انتهاكاً للخصوصية ولا شأن للدولة به.
كما يخالف القرار اتفاقية “القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” (سيداو)، لأنه ينطوي على تمييز قائم على أساس الجنس، بحسب الأحمد. وأوضح أن حصر هذه القيود بالعاملات الإناث يكرّس قوالب نمطية جندرية، ويخالف التزامات سوريا الدولية، لما ينطوي عليه من تحيز وتمييز.
أوضح الخبير القانوني المعتصم الكيلاني أن التبرير الرسمي تحدث عن “تنظيم” المظهر الوظيفي دون الاستناد إلى أي نص قانوني محدد أو لائحة تنظيمية معتمدة. وأشار إلى أن قانون العمل السوري رقم “17” لعام 2010 يشترط أن يكون أي تنظيم للمظهر مبنياً على نص قانوني أو نظام داخلي معتمد، لا على قرار إداري عام، معتبراً أن ذلك يشكل مخالفة لمبدأ شرعية الإدارة.
كما يتعارض التبرير مع المادة “12” من الإعلان الدستوري لعام 2025، التي تنص على حماية الحقوق والحريات الأساسية والحقوق الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية، بما يشمل حرية المظهر الشخصي وحرية التعبير عن الذات، وعدم التدخل في الحياة الخاصة إلا بقانون واضح ومبرر.
وفي الإطار الدولي ذاته، يوافق الكيلاني الرأي مع مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، مشيراً إلى أن المادة “17” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر أي تدخل اعتباطي أو غير قانوني في الحياة الخاصة، موضحاً أن تنظيم المظهر الشخصي في العمل لا يمكن اعتباره غير تدخل، ما لم يستند إلى نص قانوني واضح وضرورة موضوعية وتحقيق هدف مشروع، وهي شروط لم يثبتها التصريح الرسمي.
ختم الكيلاني بالقول إن التبرير لا يثبت التناسب أو الضرورة أو وجود نص قانوني موضوعي، بل يبرر قراراً تقييدياً بلغة عامة. فيما خلص الأحمد إلى أن القرار “غير قانوني، وتعسفي، وتمييزي”، ويعيد سوريا إلى الوراء، ويتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن بناء دولة حديثة، معتبراً أن مثل هذه القرارات ترسل رسالة معاكسة لما يُقال عن التغيير، وتؤكد أن المسار يسير إلى الخلف لا إلى الأمام.
لا يجوز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصيته أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا لهجمات غير قانونية على شرفه وسمعته. لكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو الهجمات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة