ما بعد 7 أكتوبر: دمشق والرياض تقودان تحولاً استراتيجياً لإعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي


هذا الخبر بعنوان "دمشق والرياض شقيقتا الدم والأرض" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن السابع من أكتوبر حدثًا عابرًا في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولا مجرد محطة إضافية في سجل النزاعات المفتوحة في الشرق الأوسط. بل مثّل ما جرى في ذلك اليوم نقطة انعطاف تاريخية كشفت هشاشة توازنات استمرت عقودًا، وأعلنت عمليًا نهاية مرحلة سياسية إقليمية، وبداية إعادة تشكيل شاملة لمعادلات القوة والنفوذ في المنطقة.
لسنوات طويلة، عاش العالم الإسلامي حالة انقسام غير معلن، قُدِّم على أنه توازن مصالح، بينما كان في جوهره توزيع أدوار مدروس. محور أول تقوده تركيا، ومحور ثانٍ تمحورت حوله المملكة العربية السعودية، وبينهما فراغ استراتيجي فُتح على مصراعيه أمام إيران، لتتسلل عبره وتفرض نفسها لاعبًا ثالثًا، لا وسيطًا ولا مكملًا، بل طرفًا مهدِّدًا للتوازن نفسه.
هذا الترتيب لم يكن وليد المصادفة، بل نتاج رؤية أمريكية تعود إلى ما بعد الحرب الباردة، وُضعت ملامحها الأولى في عهد جورج بوش الأب، وتحوّلت إلى واقع ملموس في عهد بوش الابن، مع فتح البوابة الشرقية لإيران عقب إسقاط نظام صدام حسين. كان الهدف آنذاك واضحًا في بنيته، وإن بدا معقّدًا في أدواته: إشغال العالم الإسلامي بصراعات داخلية طويلة الأمد، واستنزاف قواه السياسية والاقتصادية، وترك إسرائيل تنمو في بيئة إقليمية مفككة، دون أن تواجه كتلة متماسكة قادرة على فرض توازن حقيقي.
ومن يذهب إلى الاعتقاد بأن إسرائيل كانت تقود هذا المخطط يخطئ في قراءة منطق العلاقات الدولية. فإسرائيل، في التحليل البارد، ليست سوى قاعدة متقدمة للمصالح الغربية في قلب المنطقة، أُنشئت لتأمين طرق التجارة والطاقة، وضمان التفوق الاستراتيجي. والتاريخ يعلّمنا أن القواعد تُدعَم ما دامت مفيدة، وتُهمل حين تتحول إلى عبء.
غير أن ما حدث لاحقًا كشف خللًا عميقًا في تلك الاستراتيجية. إيران تمددت أبعد مما كان مرسومًا لها. أذرعها خرجت من نطاق الضغط المحدود، وتحولت إلى شبكة إقليمية عابرة للحدود، لم تهدد العالم العربي فحسب، بل طالت التوازن الذي أُريد لها أن تتحرك ضمنه. عند هذه النقطة، بدا واضحًا أن الخطة القديمة استنفدت أغراضها، وأن استمرارها لم يعد يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح القوى الكبرى.
جاء السابع من أكتوبر ليُسرّع هذا الإدراك. فبعد أكثر من عشرين عامًا على استراتيجية قائمة على إدارة الفوضى، تبيّن فشل الرهان عليها. وبدأ التحول نحو مقاربة جديدة ترى في الأنظمة السنية المستقرة شريكًا أكثر موثوقية، وأقل كلفة، وأكثر قابلية لبناء توازن طويل الأمد. هنا، عادت إلى الواجهة ملامح الرؤية التي طُرحت في الولاية السابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي قامت على إعادة توجيه البوصلة نحو منطق المصالح المباشرة، وتجسدت في الاتفاقيات الإبراهيمية، لا كغاية نهائية، بل كنقطة انطلاق لإعادة ترتيب الإقليم.
ضمن هذا السياق، بدأت عملية تفكيك الأذرع الإيرانية، وتراجع الغطاء السياسي الذي وفّر لها هامش حركة واسعًا في أكثر من ساحة. سوريا كانت قلب هذا التحول. فالجغرافيا السورية لم تكن مجرد مساحة صراع، بل عقدة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا، ومفتاح توازن في المشرق العربي. إبقاؤها في حالة إنهاك كان يخدم مشروع الفوضى، لكن تركها تنزلق أكثر كان يهدد بانفجار إقليمي شامل. لذلك، لم يكن التحول في الموقف الدولي من سوريا وليد لحظة، بل نتيجة مراجعة طويلة انتهت إلى قناعة بأن استمرار الوضع السابق لم يعد قابلًا للاستدامة.
وهنا برز الدور السعودي بوضوح. فخلال خمسة عشر عامًا من الاضطرابات، حافظت المملكة العربية السعودية على تماسكها، وقدّمت نموذج الدولة القادرة على امتصاص الصدمات، وقراءة التحولات بعقل استراتيجي بعيد عن الانفعال. وبينما تساقطت عواصم عربية تحت وطأة الفوضى، بقيت الرياض ركيزة توازن، ورافعة سياسية واقتصادية للعالم العربي.
إدراك القيادة السعودية لأهمية سوريا لم يكن عاطفيًا ولا آنيًا. كان إدراكًا مبنيًا على قراءة عميقة للتاريخ والجغرافيا. فغياب سوريا لم يكن غياب دولة، بل غياب محور توازن عربي كامل. من هنا جاء الانفتاح السعودي، وفتح الباب لعودة سوريا إلى محيطها الطبيعي، والعمل على رفع العقوبات عنها، بوصف ذلك استثمارًا في الاستقرار الإقليمي، لا مجاملة سياسية عابرة.
تحرير سوريا من العزلة أعاد رسم الخريطة. قطع طرق التمدد، وأعاد التوازن إلى ساحات اختلّت طويلًا، وخفف الضغط عن دول كانت تقف على حافة الانفجار. والأهم، أنه أعاد الاعتبار لمنطق الدولة في مواجهة منطق الفوضى. اليوم، تقف المنطقة أمام فرصة نادرة. تحالف عربي وإقليمي، تقوده المملكة العربية السعودية، ويمتد عبر سوريا إلى تركيا، قادر على تشكيل قوة ردع حقيقية، لا بالسلاح وحده، بل بالاقتصاد والاستقرار والتكامل السياسي. ازدهار العلاقات بين الرياض ودمشق ليس خيارًا سياسيًا عابرًا، بل ضرورة تاريخية، وفرصة لإغلاق فصل طويل من الانقسام، وفتح أفق جديد لمنطقة أنهكتها الصراعات، وتستحق أخيرًا أن تتنفس الاستقرار.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة