احتجاجات معلمي الرقة: مطالب بالتثبيت ومخاوف من الاستبدال بعد استعادة الحكومة السورية للمدينة


هذا الخبر بعنوان "معلمو الرقة.. “التحرير” يفتح أزمة التثبيت" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت مدينة الرقة شمالي سوريا وقفة احتجاجية نظمها معلمون ومعلمات، من بينهم عمار عبد الهادي (35 عامًا)، للمطالبة بتثبيتهم في وظائفهم. تأتي هذه الاحتجاجات في ظل تداول أنباء عن نية الحكومة السورية استبدال الكوادر التعليمية الحالية بمعلمين آخرين للتدريس في مدارس المحافظة.
وأوضح عمار عبد الهادي لعنب بلدي أنه عمل في التدريس بمدارس الرقة طوال سنوات سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، رغم أن أجره لم يتجاوز 100 دولار أمريكي. وأكد على أهمية إعادة فتح المدارس وتدريس الطلاب بعد توقف العملية التعليمية لعدة سنوات خلال فترة سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على الرقة بين أعوام 2014 و2017. انطلقت الوقفة الاحتجاجية من دوار الساعة وسط الرقة وتوجهت نحو مبنى المحافظة في القسم الجنوبي من المدينة لمقابلة المسؤولين، حيث يسيطر القلق على المعلمين والمعلمات خشية استبعادهم من العملية التربوية بعد التغيرات الأخيرة في المدينة.
ويطالب معلمو ومعلمات الرقة بضرورة تثبيتهم وضمان حقوقهم الوظيفية، خاصة بعد استعادة الحكومة السورية السيطرة على المدينة منذ 19 من كانون الثاني الحالي، وإعادة افتتاح المؤسسات الرسمية وربط المديريات بالوزارات المركزية في دمشق. أثار هذا الوضع تساؤلات واسعة حول مصير الكوادر التي عملت في ظروف استثنائية خلال السنوات الماضية. ويرفض المعلمون وصفهم بـ"معلمي قسد"، معتبرين أن هذا الوصف يحمل طابعًا سياسيًا يهدد مستقبلهم المهني، مؤكدين أنهم بقوا في مدارسهم بدافع المسؤولية تجاه الطلاب، رغم الضغوط والتدخلات التي كانت تفرضها الإدارة السابقة على القطاع التربوي ومحاولات فرض مناهج وتوجهات فكرية معينة.
كان منهاج "الإدارة الذاتية" في مناطق شمال شرقي سوريا قد أثار جدلاً واسعًا منذ طرحه، خاصة في المناطق ذات الغالبية العربية مثل الرقة ودير الزور. اعتبره كثير من المدرسين والسكان غير منسجم مع الخصوصية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المحلي، ورأى منتقدوه أنه مشبع بأفكار أيديولوجية ذات طابع قومي ويساري، ولا يراعي البنية المحافظة للسكان، ما أدى إلى عزوف عدد من الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى المدارس التي تعتمد هذا المنهاج.
كما تضمنت كتب "الإدارة الذاتية" مضامين فكرية غير مألوفة في البيئة السورية، وتناولت قضايا أثارت حساسية مجتمعية، منها مفاهيم مرتبطة بعلم "الجنولوجيا" المتعلق بدور المرأة، والذي أسسه القائد السابق لـ"حزب العمال الكردستاني" (PKK) عبد الله أوجلان، المعتقل في تركيا. إضافة إلى طرح تصورات سياسية وقومية اعتُبرت إقصائية أو مستفزة لبعض المكونات. وحوت بعض الكتب خرائط وتوجهات قومية أثارت اعتراض معلمين وطلاب، وعمقت حالة الرفض الشعبي للمناهج حينها. في المقابل، كانت "الإدارة الذاتية" تؤكد سعيها لتوحيد مناهج تعليمية تمثل مكونات المنطقة العرقية والثقافية، وأنها عملت على إعداد المناهج بثلاث لغات رسمية هي العربية والكردية والسريانية.
قالت المعلمة نشمية الوادي، التي عملت في التدريس منذ خروج تنظيم "الدولة" من المدينة، إن المدارس أعيد فتحها بإمكانات بسيطة وسط نقص شديد في الكتب والقرطاسية والكادر. وأشارت إلى أن المعلمين حاولوا الاستمرار لضمان عدم ضياع جيل كامل من الأطفال، وأن الحديث عن الاستبدال خلق حالة من الخوف بين العاملين في القطاع التعليمي، خاصة أن معظمهم يعيلون أسرهم في ظل واقع اقتصادي صعب.
وأوضحت أن غالبية المعلمين والمعلمات في الرقة هم أرباب أسر ويعتمد عليهم عدد كبير من الأفراد في تأمين لقمة العيش، مشيرة إلى أن أي قرار بالإقصاء أو الاستبدال سيؤدي إلى آثار اجتماعية قاسية تتجاوز حدود القطاع التعليمي، لتطال مئات العائلات التي لا تمتلك مصادر دخل بديلة في ظل ارتفاع معدلات البطالة وضعف الفرص الاقتصادية في المدينة. وأضافت أن المعلمين خلال السنوات الماضية لم يكونوا مجرد موظفين، بل شكّلوا دعامة أساسية للاستقرار المجتمعي بعد سنوات من الحرب، حيث تحملوا مسؤولية إعالة أسرهم بالتوازي مع مسؤولية إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، معتبرة أن تجاهل هذا البعد الإنساني سيزيد من هشاشة الوضع الاجتماعي ويعمّق شعور الظلم.
يرى المعلم فراس الهادي أن القضية لم تعد تتعلق فقط بالرواتب أو الاستقرار الوظيفي، بل بالكرامة المهنية والاعتراف بسنوات العمل التي قضاها المعلمون في أصعب الظروف. وأوضح أن استبعاد الكوادر المحلية واستبدالها بمعلمين من خارج المحافظة قد يؤدي إلى فجوة بين المدرسة والمجتمع، لأن المعلمين الحاليين أكثر دراية بواقع الطلاب الاجتماعي والنفسي.
وأشار فراس إلى أن المعلمين في الرقة كانوا يتجنبون تدريس أي مواد أو مفاهيم تتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة في المجتمع السوري، رغم الضغوط التي كانت تمارسها "قسد" لفرض مناهج تحمل مضامين فكرية وسياسية لا تنسجم مع البيئة المحلية. وأكد أن هدفهم كان حماية الأطفال من الانقسام الفكري والحفاظ على هوية المجتمع، وليس الانخراط في أي مشروع سياسي أو حزبي، معتبرًا أن بقاء التعليم حيًا في تلك المرحلة كان ضرورة لمنع ضياع جيل كامل.
في المقابل، أفاد مصدر في مديرية التربية والتعليم في الرقة لعنب بلدي، تحفظ على ذكر اسمه، أن الحكومة السورية لم تصدر أي قرار رسمي حتى الآن بشأن فصل أو تثبيت أي موظف في الرقة أو المناطق التي دخلتها مؤخرًا. وأوضح أن ما يجري هو عملية ترميم إداري للمؤسسات، وليست عملية نسف أو إقصاء كما يُشاع. وأشار المصدر إلى أن معظم الموظفين الموجودين حاليًا في المؤسسات الخدمية والمدنية كانوا يعملون في مواقعهم ذاتها خلال فترة سيطرة "قسد"، وأن الحكومة تسعى إلى سد النواقص ومعالجة الخلل دون إحداث فراغ إداري قد ينعكس سلبًا على الخدمات الأساسية، بما فيها قطاع التعليم.
لا تقتصر المخاوف على المعلمين وحدهم، إذ يعيش موظفون في قطاعات أخرى حالة مماثلة من القلق في ظل غياب قرارات واضحة تنظم أوضاعهم، وهو ما يضع المدينة أمام تحديات اجتماعية واقتصادية جديدة بعد سنوات من الحرب والدمار. ويرى معلمو الرقة أن تثبيتهم وإشراكهم في أي عملية تقييم أو إعادة هيكلة بشكل عادل وشفاف هو الضمان الوحيد لاستقرار العملية التعليمية، ولمنع انهيار ما تبقى من الثقة بين المجتمع المحلي والمؤسسات الرسمية، مؤكدين أن استمرارهم في العمل يمثل عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء المدينة والنهوض بواقعها التربوي.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي