هدى شعراوي: رحيل قامة فنية سورية عاشت أدوارها في ذاكرة الجمهور


هذا الخبر بعنوان "هدى شعراوي.. فنانة لم تؤدِ الأدوار بل عاشت الناس" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
فقدت الدراما السورية والشارع العربي برحيل الفنانة القديرة هدى شعراوي، أحد أبرز وجوهها حضورًا وتأثيرًا، وشخصية فنية وإنسانية تركت بصمة عميقة في الذاكرة اليومية على مدى عقود. لم تكن شعراوي مجرد ممثلة عادية، بل حالة فنية متكاملة أسست لنفسها مكانة خاصة قوامها الصدق والعفوية والجرأة، مما جعل خبر وفاتها يثير موجة حزن واسعة النطاق عربيًا وإعلاميًا. اليوم، تطوي الدراما السورية صفحة من تاريخها برحيل قامة مثل هدى شعراوي، لكن إرثها الفني والإنساني والشخصيات التي عاشت في وجدان الناس ستبقى شاهدة على مسيرة فنانة اختارت القرب من الجمهور، فاختارها الجمهور واحدة منهم.
وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت في التاسع والعشرين من كانون الثاني عن جريمة قتل راح ضحيتها الفنانة القديرة هدى شعراوي داخل منزلها في العاصمة دمشق.
تنتمي الراحلة إلى الجيل الأول المؤسس للدراما السورية، وهو الجيل الذي واجه ظروفًا صعبة في غياب المعاهد والبنية الإنتاجية الواضحة. بدأت مسيرتها الفنية من إذاعة دمشق في الخمسينيات عبر المسلسل الإذاعي “حياة فنان”، وكانت من الوجوه التي عاصرت انطلاق البث التلفزيوني السوري عام 1960. تحمل شعراوي رقم العضوية “33” في نقابة الفنانين، مما يجعلها من أقدم الأعضاء الذين ساهموا في نهضة المشهد النقابي.
في هذا السياق، يرى الناقد الفني والصحفي شارل عبد العزيز أن هدى شعراوي كانت من الفنانات اللواتي أسسن للدراما السورية بالاعتماد على الفطرة والملاحظة المباشرة للمجتمع، لا على القوالب الجاهزة أو التجارب السابقة، وهو ما منح أداءها صدقًا وعفوية يصعب تكرارهما اليوم. ويشير عبد العزيز إلى أن هذا الجيل تحمل مسؤولية مضاعفة، خاصة بالنسبة للمرأة الفنانة، إذ لم يكن دخول عالم التمثيل أمرًا سهلًا أو مقبولًا اجتماعيًا، مما جعل الاستمرار في المهنة لسنوات طويلة إنجازًا بحد ذاته. لقد كانت عفوية هدى شعراوي وخفة ظلها جزءًا أصيلًا من تكوينها الشخصي، ونجحت في فرض حضورها دون تكلّف أو تزييف أو مبالغة، مواجهةً هذه التحديات بإصرار وشغف انعكسا على حضورها الفني الثابت حتى سنواتها الأخيرة.
من جهته، يرى الصحفي الفني جورج درويش أن هدى شعراوي كانت من الفنانات السوريات اللواتي لا يتكررن، لما امتلكته من شخصية فنية متفردة وأدوات خاصة، سواء على مستوى الأداء أو لغة الجسد أو طريقة الحكاية. وأكد أن جرأتها كانت واضحة حتى في نظراتها، وأن حضورها الجسدي كان قويًا ومؤثرًا، مما جعل أدوارها عصية على التقليد أو الاستنساخ.
على المستوى الفني، شكلت مشاركاتها في أبرز الأعمال السورية التي حققت انتشارًا عربيًا واسعًا محطات مفصلية في مسيرتها، لا سيما في الأعمال الكوميدية وأعمال البيئة الشامية، وعلى رأسها مسلسل “باب الحارة”. ففي شخصية “أم زكي”، قدمت هدى شعراوي نموذجًا دراميًا نادرًا تحول إلى أيقونة في الذاكرة الشعبية.
يتقاطع رأي عبد العزيز ودرويش عند فكرة أن هدى شعراوي لم تكن “تؤدي” الشخصية بقدر ما كانت تعيشها، فقد استطاعت أن تجسد المرأة الدمشقية والشارع الشعبي بصدق لافت، مقدمةً نماذج تشبه الأم والعمة والجدة، وتبدو مأخوذة من الحياة اليومية. يعتقد عبد العزيز أن أي امرأة في أحياء دمشق القديمة يمكن أن تتقاطع مع تفاصيل من شخصياتها، مما جعل الجمهور يشعر بأنها واحدة من أفراد العائلة. أما درويش، فيرى أن شعراوي كانت ممثلة بالفطرة، تسقط الدور من أبسط التفاصيل، من طريقة اللباس إلى الإيماءة ونبرة الصوت، وهو ما بدا واضحًا في أدوار مفصلية مثل “أم العرفي” في خان الحرير، و“أم زكي” في باب الحارة. ويشير إلى أن هذه الأدوار لم يكن من السهل أن تؤدى من قبل فنانة أخرى، لأنها كانت نتيجة انسجام كامل بين الشخصية الدرامية وشخصية الفنانة الحقيقية.
رغم تنوع أرشيفها، تخصصت شعراوي في أدوار المرأة الدمشقية الشعبية، وحملت لقب “الداية” في عدة أعمال مفصلية. بدأت هذه السلسلة من مسلسل “أيام شامية” (1992) بدور “الداية ديبة”، ثم في مسلسل “الخوالي” (2000)، وصولًا إلى شخصية “أم زكي” في مسلسل “باب الحارة”، وهو الدور الذي حقق لها شهرة عربية واسعة وحولها إلى نموذج نمطي للمرأة الحكيمة والمطلعة على أسرار الحارة. تُعدّ شخصية “أم زكي” من أكثر الأدوار رسوخًا في الذاكرة الشعبية، إذ تحولت إلى أيقونة درامية عربية.
يرى عبد العزيز أن ارتباط اسم الفنانة بالشخصية إلى درجة مناداتها بها في الشارع يُعد إنجازًا فنيًا نادرًا، لا يحققه سوى قلة من الممثلين. بينما يوضح درويش أن نجاح الشخصية لم يكن مرتبطًا بحجم الدور بقدر ما كان بدورها المحوري في تحريك الأحداث، وبكونها نموذجًا واقعيًا موجودًا في كل حارة وبيت عربي. ويؤكد كلاهما أن هدى شعراوي لم تقلّد أحدًا، بل أسست لأسلوب خاص بها، سواء في الكوميديا أو في أعمال البيئة الشامية، واضعة قواعد واضحة لشخصيات مثل “الداية”، مما جعل من الصعب تجاوز تأثيرها لاحقًا. ويرى درويش أن ما ميّزها عن بنات جيلها هو جرأتها الزائدة، ليس في طبيعة الأدوار، بل في أسلوب الأداء وجرأة الأدوات، إذ كانت تذهب إلى أقصى ما يتطلبه الدور دون خوف من الكاميرا أو الحسابات الشكلية.
إلى جانب ذلك، شكّلت أعمال هدى شعراوي وثيقة ثقافية واجتماعية، إذ أسهمت في توثيق العادات والتقاليد الدمشقية من خلال لغتها الشعبية ومصطلحاتها اليومية والأغاني الشامية التي قدمتها، وهو ما يعتبره عبد العزيز جزءًا من أرشيف فني مهم يستحق الدراسة والتوثيق.
على صعيد التفاعل الشعبي، أحدث رحيلها صدمة واضحة في الشارع العربي، حيث عبر الجمهور العربي عن حزنه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستعادت وسائل الإعلام العربية، من لبنان إلى مصر والمغرب العربي، محطات مسيرتها وأثرها الفني، كأول تغطية من نوعها حيال وفاة فنان سوري. يقول الصحفي الفني جورج درويش إنه تفاجأ بحجم المحبة العربية التي حظيت بها، معتبرًا أن ذلك مبرر نظرًا لبصمتها العميقة في وجدان الجمهور. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن وفاتها تم توظيفها سياسيًا، في ظل ظروف حساسة وطريقة وفاة غامضة، مما ضاعف مشاعر الحزن والأسى لدى الناس.
في مقارنة بين الأمس واليوم، يرى درويش أن جيلًا كاملًا من الفنانات، مثل هدى شعراوي وسامية الجزائري وضحى الدبس وإيمان عبد العزيز، كن يتمتعن بخصوصية تمنع تبادل الأدوار بينهن، بعكس بعض نجمات اليوم اللواتي يمكن لهن أداء أدوار بعضهن البعض، مع استثناءات محدودة. ويؤكد أن غياب هدى شعراوي قد لا يغير مسار الدراما السورية بشكل مباشر، لكنه يحرمها من وجه إنساني وفني محبوب، يمتلك “خلطته الخاصة” الناتجة عن الصدق والبساطة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة