أقواس دمشق المعلقة: إرث معماري وإنساني يروي قصص التكافل الاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "“عيرني كتفك”.. أقواس دمشق.. حيث يتحول التكافل الاجتماعي إلى إرث معماري وإنساني" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب حارات دمشق القديمة، لا تزال الأقواس الحجرية المعلقة بين الجدران شاهدةً على تاريخٍ عريق من التكافل الاجتماعي. هذه الأقواس ليست مجرد هياكل معمارية، بل هي تجسيد حي لعقد اجتماعي غير مكتوب، يربط بين عراقة الأحياء الدمشقية وقيم مجتمعها الأصيلة ضمن فلسفة عمرانية إنسانية فريدة، حيث يروي كل حجر فيها قصة تضامن بين الجيران.
لم تكن عبارات مثل “عيرني كتفك” أو “عيرني حيطك” مجرد أمثال شعبية عابرة، بل كانت تعبيراً حياً عن ميثاق إنساني حوّل الجدران الصامتة إلى جسور للعطاء والتكافل. أسهم هذا الميثاق في إيجاد حلول مبتكرة لأزمات السكن، وعزز أواصر الجوار وروابط المجتمع. تحمل هذه الأقواس القديمة، في ثنايا حجارتها، ذاكرة زمنٍ كان فيه الجار يمد جدار بيته كما يمد يده للمساعدة والعون.
في حي السويقة العتيق بدمشق، يسترجع المواطن عصام عربشة، البالغ من العمر 85 عاماً، ذكريات أربعينيات القرن الماضي. يروي كيف وافقت عائلة جارهم بلا تردد على “إعارة كتفها” – أي حائطها – لعائلته، مما أتاح بناء غرفة إضافية فوق الممر الضيق الفاصل بين المنزلين. هذا الحل مكن أخاه من الزواج وتأسيس أسرة.
في حديثه لمراسل وكالة سانا، استذكر عربشة بساطة الحياة وشح الإمكانات في تلك الحقبة، وكيف تجسد تضامن الجيران حلاً عملياً لمشكلة ضيق السكن ونقص الموارد. كانت الفكرة من والدته، وبدعم من الجار، عندما أراد أخوه الزواج ولم يتسع المنزل. لجأ والده إلى الجار، الذي لا يفصل بين حائط منزله وحائط منزلهم سوى ثلاثة أمتار، وطلب منه استعارة حائطه لبناء غرفة بين البيتين. جاء الرد بالموافقة الفورية دون أي تردد.
بُنيت الغرفة وتم الزواج، ورغم وفاة أخيه لاحقاً، يؤكد عربشة أن أثر تلك الغرفة ظل حياً. فأولاده الذين ولدوا فيها كبروا وأنجبوا وأصبحوا أجداداً اليوم، وما زالوا يحملون في ذاكرتهم قصة ذلك الجدار المعار والبيت الضيق. تبقى هذه الحكاية نموذجاً حياً للتكافل الاجتماعي الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من التراث الإنساني لمدينة دمشق.
يؤكد المؤرخون وكبار السن أن جذور هذه الظاهرة الاجتماعية والعمرانية تمتد لقرون طويلة. لقد ازدهرت هذه الممارسة كآلية تعاون عفوية خلال فترات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالمدينة، مثل أواخر العهد العثماني وأيام الحرب العالمية الأولى وما تلاها، حيث كانت تمثل استجابة عملية لضغوط الحياة. هذا ما ذكره الباحث التاريخي سامي المبيض في تصريح لوكالة سانا.
ويوضح المبيض أن عبارة “عيرني كتفك” هي عادة اجتماعية تعكس تماسك النسيج المجتمعي الدمشقي في أوقات الشدة. يشير إلى أنها انتشرت بقوة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ثم تجددت خلال الحرب العالمية الأولى، مضيفاً: “كانت تبرز المحبة الطاغية على العلاقات الاجتماعية، حيث كان مفهوم الجار يتعدى مجاورته في السكن ليشمل مشاركته في الهموم والأفراح”.
لم تكن تلك الغرف المعلقة فوق الممرات مجرد إضافات عشوائية، بل تطورت لتصبح بصمة معمارية فريدة. فشكلها الذي يشبه القنطرة أو القوس الحجري يتطلب مهارة دقيقة في نحت الحجارة وتركيبها لضمان التوازن الإنشائي، مع الحفاظ على الخصوصية من خلال واجهات بسيطة ونوافذ خشبية طويلة وضيقة.
يقول المواطن ياسين الزنبركجي، أحد سكان حي السويقة: “كانت هذه الأقواس أكثر من مجرد مساحات سكنية؛ لقد عززت تداخل الحياة اليومية وخلقت ألفة وروابط اجتماعية متينة، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من هوية الحي وذاكرته”.
تظل هذه الأقواس المنتشرة في أحياء دمشق القديمة شاهداً حياً على تراث إنساني ومعماري فريد، يجسد قيم التضامن والعيش المشترك. ومع ذلك، فإنها، شأنها شأن غيرها من عناصر التراث العمراني الأصيل، تواجه تحديات تتعلق بالصيانة والحفظ في ظل التغيرات الطارئة على الظروف المعيشية والأنماط الاجتماعية. هذا يثير تساؤلات جادة حول أفضل السبل للحفاظ على هذا الإرث المادي الذي يمثل تجربة إنسانية استثنائية، تختصر في حجرين يلتقيان فوق ممر ضيق، وفي حكاية إنسان مد يده بمد جداره.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي