جدل الديون الإيرانية على سوريا: مسارات قانونية ودفاعات محتملة للحكومة السورية الجديدة


هذا الخبر بعنوان "مسار معقد أمام سوريا لمواجهة ديون إيران “البغيضة”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتفاوت التقديرات حول حجم الدَّين الإيراني على سوريا، فبينما تشير بعض التقارير إلى بلوغه 50 مليار دولار، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في 17 من كانون الأول 2024، بعد أيام قليلة من سقوط نظام الأسد، هذا الرقم المبالغ فيه دون الكشف عن قيمة دقيقة. وأكد بقائي حينها أن الديون المترتبة على نظام الأسد ستتحملها الحكومة السورية الجديدة، استنادًا إلى اتفاقيات ومعاهدات مبنية على مبدأ "خلافة الدول" المعترف به في القانون الدولي.
رغم مرور وقت على هذا التصريح، لا يزال الملف مفتوحًا، وتتوالى التقارير الإعلامية التي تتناول تصريحات وأحاديث في الأروقة السياسية الإيرانية حول ضرورة المطالبة بهذه الديون. وقد أسفرت هذه المطالبات عن ردود من مسؤولين سوريين، كان أحدثها تصريح وزير المالية السوري، محمد برنية، في مقابلة على منصة "سوريا الآن" بتاريخ 4 من كانون الثاني الماضي، وصف فيها الديون الروسية والإيرانية على بلاده بـ"البغيضة". وأشار برنية إلى أن الحكومة السورية تعمل على إعداد مطالبات مالية مضاعفة ومضادة، تُحمّل البلدين مسؤولية تدمير سوريا.
تسعى عنب بلدي إلى تحليل أبعاد هذا الملف وتداعياته من منظور قانوني بحت، لتحديد الإجراءات التي قد تتبعها إيران في مطالباتها، والخيارات المتاحة أمام الحكومة السورية لدحض هذه المطالب ورفضها.
أوضح مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني، أن المطالبات الإيرانية بديونها على سوريا خلال حقبة الأسد، إذا كانت ناشئة عن خطوط ائتمان أو اتفاقات مصرفية وتجارية، فإن المسار الأكثر مباشرة يتمثل في المطالبة التعاقدية والمالية التقليدية. وفي هذا الإطار، تُعامل المطالبة كدَين سيادي أو تجاري وفقًا لشروط العقد، بما يشمل أصل الدَّين والفوائد وآجال الاستحقاق وأحكام التعثر، مع الاستناد إلى الوثائق التعاقدية والمراسلات المالية وسجلات السداد أو الإخلال به.
وفي حال تضمنت الاتفاقات بنودًا للتحكيم أو آليات لتسوية المنازعات أو إسناد اختصاص إلى محاكم محددة، يرجح عبد الغني أن تسعى إيران إلى تفعيل هذه المسارات للحصول على حكم أو قرار نهائي قابل للتنفيذ خارجيًا، معتبرًا أن هذا الطريق يمنح المطالبة طابعًا قضائيًا نهائيًا يسهّل متابعتها في ولايات قضائية أخرى، مع مراعاة الشروط الإجرائية والموضوعية.
وبيّن عبد الغني أنه حتى لو صدر حكم لمصلحة إيران، فإن خطوة التنفيذ على أصول أو إيرادات سوريا خارج الإقليم تظل معقدة بسبب حصانة الدولة وممتلكاتها. وأضاف أن إيران قد تحاول استهداف أصول أو إيرادات ذات طابع "تجاري" لا "سيادي"، وفقًا للقواعد المعمول بها في بعض الأنظمة القانونية، ويتوقف نجاح هذا المسار على وجود أصول قابلة للحجز وتوفر الشروط القانونية في الدولة التي تقع فيها الأصول، بالإضافة إلى قدرة إيران على إثبات الصلة التجارية لتجاوز عائق الحصانة.
من جانبه، أوضح المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أن الأصل في القانون الدولي هو استمرار الدولة قانونيًا رغم تغيّر الحكومات، لكن إلزام الدولة بديون أو التزامات يتوقف على طبيعة المطالب الإيرانية، سواء كانت اتفاقيات مالية موثّقة أو تكاليف دعم سياسي وعسكري، حيث أن الأخيرة غالبًا لا تُعد دَينًا قابلًا للتقاضي بذاته ما لم تتحول إلى التزام تعاقدي واضح.
وأشار الكيلاني إلى عدة طرق قانونية يمكن أن تتبعها إيران للمطالبة بديونها على سوريا، منها:
ونوه الكيلاني إلى أن احتمالية الاستناد إلى "خلافة الدول" التي تلمح إليها إيران، تتطلب الانتباه إلى اتفاقية "فيينا" الخاصة بخلافة الدول في الديون، والتي لا تعتبر نافذة أصلًا، وبالتالي لا تُعد قاعدة تعاقدية ملزمة بحد ذاتها.
قال المحامي المعتصم الكيلاني إن الآثار القانونية المترتبة على سوريا تجاه الديون الإيرانية تتطلب التمييز في ماهية هذه الديون. فإذا كانت أموالًا مقترضة ومثبتة بأدوات قانونية سليمة، فقد تُعد التزامًا على الدولة بغض النظر عن تغيّر الحكومة. أما إذا كانت المطالبات هي "تكلفة دعم سياسي/عسكري" بلا سند تعاقدي، فغالبًا لا تُعامل كدَين.
ونوه الكيلاني إلى أثر قانوني غير مباشر لهذه النزاعات، قد يؤثر في قدرة سوريا على إعادة الاندماج المالي وفتح قنوات تمويل دولية، لأن ملفات الديون والنزاعات العابرة للحدود تؤثر على مخاطر التعامل.
وأوضح فضل عبد الغني أن القاعدة العامة في القانون الدولي تشير إلى أن تغيّر الحكومة أو تبدّل السلطة السياسية لا يؤدي إلى إسقاط التزامات الدولة تلقائيًا، فالدولة تُعامل دوليًا باعتبارها "الشخص الدولي ذاته" رغم تغير الحكومات. وهذا يُنشئ افتراضًا أوليًا باستمرار الديون متى ثبتت قانونًا، وبالتالي فإن أي نقاش حول انقضاء الديون لا يُبنى على مجرد التغير السياسي، بل على دفوع قانونية محددة تتصل بصحة السند وحدود الصلاحية، أو عيوب جوهرية في تكوين الالتزام.
أشار فضل عبد الغني إلى أن الحكومة السورية يمكنها أن تبدأ بدفع تأسيسي يتمثل في الطعن على قيام الدَّين من حيث الأصل، عبر التركيز على عبء الإثبات والتوثيق. وأوضح أن موقف الجهة المطالِبة يضعف إذا كانت الأرقام المتداولة تقديرية أو سياسية، أو إذا غابت "الحسابات الرسمية" والوثائق التعاقدية الكاملة التي تُحدد نطاق الالتزام بدقة، فالنزاعات المالية غالبًا ما تكون في اكتمال السندات وقدرتها على إنتاج التزام قانوني محدد وواضح.
ونوه إلى أن الخطوة التالية يمكن من خلالها طرح دفع "الديون البغيضة" بوصفه دفعًا سياسيًا-قانونيًا، على أساس أن بعض التزامات الحقبة السابقة وُظّفت ضد مصلحة السكان أو لتغذية آلة الحرب والقمع. غير أن فاعلية هذا الدفع تظل محدودة من زاوية التقاضي الصرف، لأن مفهوم "الديون البغيضة" لا يُعد إطارًا دوليًا مُقننًا مستقرًا يفرض نتائج تلقائية أمام محاكم أو هيئات دولية، لذا قد يكون أثره الأبرز في المجال التفاوضي وإعادة صياغة شروط التسوية.
وأضاف عبد الغني إمكانية اعتماد سوريا على دفوع تتعلق بالبطلان الداخلي أو عدم الاختصاص أو غياب الإجازات الدستورية التي قام بها نظام الأسد. فإثبات أن اتفاقات القروض أو الضمانات لم تستوفِ متطلبات القانون الداخلي السوري، مثل التصديق البرلماني أو التفويض الصحيح، يمكن الدفع ببطلانها أو بعدم قابليتها للاحتجاج بها. وأوضح أن نجاح هذا المنحى خارجيًا ليس تلقائيًا، إذ يتوقف على توفر شروط صارمة تتصل بكون المخالفة "جسيمة" وتمس قواعد داخلية جوهرية، وعلى إمكانية إثبات علم الطرف الآخر بهذه المخالفة.
كما أضاف عبد الغني احتمالية دفع سوريا بعدم قابلية فصل المطالبة المالية عن سياق عدم المشروعية، عبر الربط بين الدَّين المزعوم وبين ما قد تُثيره من مساهمة إيران في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وثقتها "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" بشكل مفصل. وأوضح أن هذا الربط قد يعزز موقف سوريا في المساومة على شروط التسوية أو في الضغط السياسي والقانوني المتبادل، حتى وإن كان تحويله إلى دفع قضائي "حاسم" أمرًا غير مضمون في جميع المسارات.
وأشار المحامي المعتصم الكيلاني إلى أن سوريا تملك عدة خيارات لرفض المطالب الإيرانية قياسًا بالوقائع والوثائق المتاحة، تشمل الطعن في الأساس القانوني والرقمي للمطالبة، من خلال مطالبة إيران بعقود وجداول سحب وسعر فائدة وتوضيح الجهة الموقعة وآلية السداد، فغياب هذه الوثائق يمكّن من الدفع بعدم ثبوتيتها.
ويمكن أن تذهب سوريا، بحسب الكيلاني، إلى مفهوم "الديون البغيضة" كحجة دفاعية، موضحًا أنه مفهوم مطروح في الأدبيات خصوصًا في فترات الانتقال السياسي، مع الإشارة إلى أنه ليس قاعدة مستقرة مُعترَفًا بها قطعًا كقانون ملزم، ويُستخدم غالبًا كحجة لتقوية موقف التفاوض أو في نزاعات شرعية الديون.
وأشار الكيلاني إلى إمكانية الاعتماد على الدفوع المتعلقة بالإكراه في إبرام الالتزامات، إذا وُجدت قرائن على أن بعض الاتفاقيات أُبرمت تحت إكراه جسيم، أو خارج صلاحيات الجهة الموقعة، الأمر الذي يجعل إمكانية الدفع بقابلية الإبطال وفق مبادئ عامة في قانون العقود الدولية تتطلب ملف أدلة قويًا. كما يمكن لسوريا، وفق الكيلاني، الدفع باتجاه تسوية شاملة تربط الديون بالمطالبات المضادة والتعويضات، بدل "رفض مطلق" قد يفتح باب نزاعات تنفيذية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة