عودة وكالات السيارات إلى سوريا: فرصة لإنعاش السوق أم مخاطر اقتصادية جديدة؟


هذا الخبر بعنوان "عودة وكالات السيارات.. فرصة لضبط السوق لا تخلو من المخاطر" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تنتشر وكالات السيارات العالمية في معظم دول العالم، حيث تحظى سيارات الشركات الكبرى مثل “تويوتا” و”فولكس فاجن” و”هيونداي” و”كيا” بحضور واسع في الأسواق العالمية، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، عبر شبكات توزيع ضخمة. يختلف مدى انتشار هذه الوكالات بناءً على القوة الاقتصادية للدولة والرسوم الجمركية المفروضة على الاستيراد. تسعى شركات السيارات العالمية إلى تعزيز حضورها من خلال فتح وكالات في مختلف البلدان، معتمدة على الخبرات المحلية لفهم احتياجات المستهلكين وتوفير خدمات ما بعد البيع والصيانة، مما يسهم في زيادة المبيعات وانتشار العلامة التجارية.
لم تكن السوق السورية بمعزل عن هذا التوجه، فقد شهدت نموًا ملحوظًا في وكالات السيارات خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بين عامي 2000 و2010، حيث انتشرت وكالات لسيارات أوروبية وآسيوية. إلا أن هذا التوسع تراجع بشكل كبير مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، نتيجة للاضطرابات الأمنية وتأثيرها السلبي على الأوضاع الاقتصادية، بما في ذلك قطاع السيارات.
مؤخرًا، ومع التغيرات في الأوضاع وهبوط أسعار السيارات، بدأت تظهر إعلانات تشير إلى عودة بعض وكالات السيارات للعمل في سوريا. تسعى عنب بلدي إلى تحليل أبرز الآثار المترتبة على هذه العودة، مستعرضة الإيجابيات والسلبيات المحتملة على السوق السورية.
يرى المحلل الاقتصادي والسياسي في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور محمد صالح الفتيح، أن دخول وكالات السيارات إلى سوريا سيضمن توفير قطع الغيار الأصلية، مما ينهي الاعتماد على القطع المهربة أو المقلدة التي تستنزف النقد الأجنبي وتضر بمالكي السيارات. وأوضح الفتيح، في حديثه إلى عنب بلدي، أن دخول الوكالات الرسمية سيساهم في ضبط الأسواق وإنهاء فوضى الاستيراد التي يقوم بها بعض التجار، بما في ذلك السيارات المستعملة. وأشار إلى أن العديد من الشركات الكبرى لديها برامج لبيع السيارات المستعملة بعد إعادة تقييمها والتحقق من سلامتها وتقديم ضمانات عليها. كما نوه إلى أن دخول الوكالات سيمنع تحول سوريا إلى سوق للسيارات المستعملة ذات المواصفات الفنية الضعيفة، على غرار ما حدث في بعض الدول الإفريقية.
وأضاف الفتيح أن وكالات السيارات يمكنها التعاون بشفافية وموثوقية أكبر مع المصارف لتقديم تسهيلات البيع بالتقسيط، وهي ميزة غير متاحة على نطاق واسع حاليًا في سوريا. هذه التسهيلات من شأنها تخفيف أعباء استبدال السيارات القديمة وتقليل الضغوط على رؤوس أموال الأفراد والشركات.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، لعنب بلدي، أن عودة وكالات الشركات العالمية إلى الأسواق السورية تمثل خطوة استراتيجية في مسار إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتعزيز الثقة بالبيئة الاستثمارية. وأوضح أن وجود هذه الوكالات لا يقتصر على إدخال منتجات وخدمات جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة هيكلة البنية التجارية المحلية ورفع كفاءتها.
وأشار قوشجي إلى أن عودة وكالات السيارات تعزز الثقة بالاقتصاد المحلي، كونها مؤشرًا إيجابيًا على استقرار السوق وقدرتها على جذب الاستثمارات، وترسل رسالة طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب. كما تسهم هذه الخطوة في نقل الخبرات والمعايير الدولية، حيث تعمل الشركات العالمية وفق أنظمة إدارية وتسويقية متطورة، مما يساعد في رفع مستوى الأداء التجاري المحلي ويعزز تنافسية المنتجات السورية.
ونوه قوشجي إلى ميزة إيجابية أخرى تتمثل في تطوير البنية التحتية التجارية، حيث تستثمر الوكالات العالمية عادة في شبكات توزيع حديثة ومراكز خدمة وأنظمة لوجستية متطورة، مما يرفع من كفاءة سلاسل التوريد ويقلل من تكاليف التشغيل. وأضاف أن دخول وكالات السيارات يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويسهم في تنمية الموارد البشرية من خلال تدريب الكوادر المحلية على أحدث الأساليب الإدارية والتقنية. كما يحفز المنافسة، مما يدفع الشركات المحلية إلى تحسين منتجاتها وخدماتها، ويؤدي إلى خفض الأسعار وتحسين الجودة لصالح المستهلك.
وخلص قوشجي إلى أن عودة وكالات الشركات العالمية إلى الأسواق السورية ليست مجرد حدث اقتصادي، بل هي رافعة لإعادة بناء الثقة وتطوير البنية التجارية وتحفيز النمو المستدام، وتمثل جسرًا بين الاقتصاد المحلي والمعايير العالمية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التكامل التجاري والنهضة الاقتصادية.
في المقابل، يرى المحلل الاقتصادي محمد صالح الفتيح، أن إيجابيات دخول وكالات السيارات إلى السوق السورية لا تلغي الآثار السلبية المحتملة. وأوضح أن عودة هذه الوكالات تعني إعادة فتح أبواب الاستيراد دون قيود، مما يرفع الطلب على النقد الأجنبي ويضغط على الليرة السورية، خاصة في ظل غياب قدرات التصدير الكافية.
وأضاف الفتيح أن فتح الاستيراد دون تسوية أوضاع السيارات القديمة الموجودة حاليًا قد يؤدي إلى تفاقم الازدحام المروري، خصوصًا في المدن الكبرى. كما أشار إلى ضعف خبرات ورشات الصيانة في سوريا، نتيجة عدم التعامل مع سيارات جديدة منذ أكثر من 14 عامًا. ولفت إلى أن التقنيات الحديثة، مثل المحركات الهجينة أو الكهربائية بالكامل، غير معروفة في السوق السورية، مما قد يمنح وكالات السيارات القدرة على احتكار خدمات الصيانة وفرض أسعار عالية على المستخدمين الذين يفتقرون للخيارات البديلة، وهو سيناريو محتمل الحدوث.
ونوه الفتيح إلى أن مشكلة الاحتكار منتشرة في الأسواق الإقليمية، ومنها أسواق الدول الخليجية، حيث يعاني المستخدمون من احتكار الوكالات لخدمات الصيانة، مما يضطرهم أحيانًا للانتقال إلى دول أخرى للحصول على خدمات بتكلفة أقل، مثل الانتقال من السعودية إلى البحرين.
وعدد الخبير الفتيح مجموعة واسعة من العوامل التي منعت عمل وكالات السيارات في سوريا خلال السنوات الماضية، بدءًا من العقوبات التي أثرت بشكل كبير على التحويلات المالية والعمليات التجارية، وخشية استخدام بعض أنواع السيارات من قبل النظام السابق. كما أن السياسات الحكومية السابقة التي منعت استيراد السيارات بشكل شبه كامل، بهدف الحفاظ على القطع الأجنبي، كانت سببًا آخر. وأضاف أسبابًا أخرى شملت تدهور الأوضاع الاقتصادية، وانهيار القدرة الشرائية للسوريين، وتراجع قيمة الليرة السورية، والقيود على تداول النقد الأجنبي، مما عقد مهمة تسعير السيارات الجديدة وقطع غيارها وجعل العمل في السوق السورية محفوفًا بالمخاطر بالنسبة للوكالات الأجنبية، وترك السوق تحت رحمة التجار والمهربين.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد