الحمائية الأمريكية: تحولات جذرية في التجارة العالمية وتوزيع جديد للمكاسب


هذا الخبر بعنوان "الحمائية الأمريكية تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: لم تعد الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد أداة حمائية، بل تحولت إلى آلية محورية أعادت صياغة ملامح الاقتصاد العالمي على أسس مغايرة. فقد أفرزت هذه السياسات دولاً تتمتع بقدرة على النفاذ إلى السوق الأمريكية بتكلفة أقل، بينما أقصت دولاً أخرى تدريجياً منها. في ظل هذا الواقع الجديد، لم تعد المنافسة التجارية تُحسم بالكفاءة أو الحجم فقط، بل أصبحت تعتمد بشكل كبير على قدرة الدول على تجنب الرسوم أو الالتفاف عليها من خلال الجغرافيا والاتفاقيات والتحالفات.
خلال سنوات قليلة، أظهرت البيانات أن التجارة العالمية لم تشهد انكماشاً بقدر ما شهدت تغيراً في مساراتها. فقد أعيد توجيه سلاسل التوريد والاستثمارات نحو الدول التي تحمل أعباء جمركية أقل وتتوافق أكثر مع القواعد الأمريكية المستحدثة، في حين تكبدت اقتصادات أخرى خسائر مباشرة في صادراتها ورؤوس أموالها، ضمن نظام تجاري بات انتقائياً بامتياز.
وفقاً لمؤشر "الميزة الجمركية" الصادر عن Global Trade Alert، لم يعد تقييم الدول يعتمد على حجم صادراتها، بل على الفارق بين الرسوم المفروضة على صادراتها مقارنة بمنافسيها داخل السوق الأمريكية، مع الأخذ في الاعتبار وزن التجارة وتركيبة السلع. بهذا المعنى، لا يحدد المؤشر من يبيع أكثر، بل من أصبح في موقع تنافسي أفضل نتيجة للسياسات الجمركية المطبقة.
تكشف بيانات Global Trade Alert أن المكسيك تصدرت قائمة الدول المستفيدة بميزة جمركية بلغت 17.4%. وقد استفادت المكسيك من قربها الجغرافي، ومن اتفاقية USMCA، بالإضافة إلى تحول الشركات الأمريكية نحو إعادة توطين سلاسل التوريد بالقرب من الحدود. تلتها كندا بميزة 6.1%، ثم المملكة المتحدة بنسبة 5.1%. أما سنغافورة وإيطاليا، فقد حققتا مكاسب أقل بلغت 3.6% و2.8% على التوالي. تجدر الإشارة إلى أن هذه المكاسب لم ترتبط بالضرورة بزيادة الطلب الأمريكي، بل بكون صادرات هذه الدول أصبحت أقل تكلفة نسبياً مقارنة بمنافسين خضعوا لتعريفات جمركية أعلى.
في المقابل، تُظهر البيانات وجود خاسرين بارزين، في مقدمتهم الصين والهند، اللتان سجلتا عجزاً جمركياً نسبياً بلغ ناقص 19.4% لكل منهما، مما يعكس شدة استهداف صادراتهما بالرسوم الأمريكية. تلتهما البرازيل بعجز بلغ ناقص 6.9%، ثم سويسرا وكوريا الجنوبية بخسائر أقل، لكنها بقيت في المنطقة السالبة. لم يقتصر هذا التفاوت على التجارة المباشرة فحسب، بل امتد ليشمل قرارات الاستثمار، وإعادة توطين المصانع، وحتى تحركات العملات، حيث باتت الشركات متعددة الجنسيات تبحث عن أقل تكلفة نسبية للوصول إلى السوق الأمريكية، بدلاً من التركيز على الأسواق الأكبر فقط.
بعد نحو عام من تطبيق الرسوم الأخيرة، أظهرت بيانات التجارة الأمريكية تراجعاً في عجز الميزان التجاري السلعي بنسبة 40% بين شهري آب وتشرين الأول الماضيين، وفقاً لتقارير اقتصادية حديثة. إلا أن هذا التحسن تزامن مع إعادة توجيه للواردات؛ فقد انخفضت الواردات من الصين بنسبة 42%، وتراجعت من كندا بنسبة 9%، في حين ارتفعت من المكسيك بنسبة 4%، وشهدت قفزة كبيرة من فيتنام بنسبة 34%. يعكس هذا التحول تغيراً في مصادر التوريد أكثر مما يعكس انكماشاً في الطلب.
بحسب تقرير OANDA FX Outlook 2026، لم تعد الرسوم الجمركية تُعامل كأدوات تفاوض مؤقتة، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من بيئة اقتصادية دائمة تتداخل مع السياسات الصناعية، ودعم الإنتاج المحلي، وضوابط الاستثمار. هذا التحول غيّر سلوك الشركات، التي باتت تفترض استمرار القيود التجارية عند اتخاذ قرارات طويلة الأجل، مما سرّع تفكك بعض سلاسل التوريد العابرة للحدود، وأعاد رسم خريطة الاستثمار العالمي.
على الرغم من المقارنات التاريخية مع ثلاثينيات القرن الماضي، تُظهر بيانات المؤسسات الدولية أن التجارة العالمية لم تنهار، بل تباطأ نموها وتجزأت جغرافياً. فقد باتت التدفقات التجارية والاستثمارية تتركز أكثر داخل تكتلات متقاربة سياسياً، مقابل تراجع الانفتاح الشامل الذي ميز مرحلة ما بعد الحرب الباردة. الخلاصة التي تجمع عليها المؤشرات هي أن تعريفات ترامب لم تلغِ التجارة العالمية، لكنها أعادت توزيع المكاسب داخلها؛ فالدول التي نجحت في التموضع ضمن النظام الجديد خرجت رابحة، بينما دفعت دول أخرى ثمن اعتمادها على نموذج تجاري بات أكثر هشاشة في ظل تصاعد الحمائية. وبينما تستمر هذه السياسات في التأثير على التجارة والاستثمار والتضخم، يبقى السؤال المفتوح عالمياً ليس ما إذا كانت الحمائية ستستمر، بل كيف ستُدار كحالة اقتصادية جديدة تُعيد تشكيل قواعد التجارة الدولية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد