التربية الخاطئة: بوابة التطرف في السياق السوري.. كيف نحمي جيل المراهقين؟


هذا الخبر بعنوان "الأساليب التربوية كثغرة للتطرف.. السياق السوري مثالًا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم رقمي صاخب، يجد اليافع السوري نفسه غارقًا خلف شاشة هاتفه المتوهجة، يتصفح سيلاً من المقاطع التي تضج بخطاب الكراهية، باحثًا عن شعور بالانتماء. في المقابل، داخل المنزل، غالبًا ما تصطدم محاولات الحوار الفاترة بينه وبين أهله برغبة الأخيرين في فرض "الرأي الواحد"، أو يُقابل فضوله وتساؤلاته بحزم يرى في الاختلاف مجرد "تمرد" يجب كبحه. هذا التصادم اليومي، الذي قد يبدو بسيطًا، يمثل في الحقيقة "ثغرة" خطيرة يتسلل منها الفكر المتطرف. فبينما تُغلق أبواب النقاش والتهميش، يفتح التطرف ذراعيه للمراهق، مانحًا إياه "قوة وهمية" وهوية بديلة. هذا يطرح تساؤلاً جوهريًا: كيف تتحول أخطاؤنا التربوية اليومية إلى جسور يعبرها أبناؤنا نحو الإقصاء والتطرف؟ وكيف يمكننا حماية هذا الجيل من خلال الحوار قبل فوات الأوان؟
تتضافر عوامل عديدة في تشكيل شخصية الطفل وتنشئته، أبرزها البيئة الأسرية، بالإضافة إلى تأثير الأقران، والمدرسة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والبيئة العامة المحيطة. يوضح الطبيب النفسي محمد أبو هلال أن التنشئة الأسرية، على الرغم من أثرها البالغ في سلوكيات وتوجهات اليافعين، لا يمكن أن تُعد سببًا حتميًا أو علاقة سببية مباشرة ودائمة للسلوكيات اللاحقة للطفل. بل هي نتاج تفاعل معقد لمجموعة من العوامل البيولوجية والوراثية والبيئية. ومع ذلك، يؤكد أبو هلال على أن الأسرة تظل "عنصرًا محوريًا"؛ فإدراك أهميتها بشكل صحيح يمكن أن يمنحها دورًا أساسيًا في حماية اليافع من الانجراف نحو السلوكيات المتطرفة.
تتفق هذه الرؤية مع دراسات "جامعة لايدن" الهولندية، التي تشير إلى أن "الارتباط الأسري الآمن" يمثل حجر الزاوية في بناء المناعة الفكرية لدى اليافع. فغياب هذا الأمان يدفع المراهق للبحث عن تقدير بديل خارج إطار المنزل. من جانبها، تحذر المرشدة الاجتماعية بشرى مروة من أن أساليب التربية التي تعتمد على القمع، أو السخرية، أو "الطاعة العمياء" تخلق ثغرات خطيرة. فعندما يُحرم المراهق من طرح الأسئلة أو يُقابل رأيه بالاستهزاء، فإنه يتجه للبحث عن بدائل خارج المنزل تمنحه الشعور بالقيمة والانتماء، وهي حاجات أساسية يمكن أن تستغلها جماعات أو خطابات متطرفة.
يُشير الدكتور محمد أبو هلال إلى أن السياق السوري يختلف بشكل جوهري عن البيئات المستقرة، وذلك بسبب خروج سوريا من حرب دامت 14 عامًا منذ اندلاع الثورة، وما خلفته من صدمات نفسية واجتماعية متراكمة. تزامن ذلك مع التطور الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي وظهور منصات تقدم محتوى مكثفًا. هذه العوامل مجتمعة تجعل المراهقين في الواقع السوري الحالي "أكثر عرضة للاستقطاب الفكري"، مما يستدعي إعادة تقييم شاملة لمنظومة تنشئة الطفل واليافع، وتطوير أساليب التربية ومناهج التعليم.
يزداد هذا الضغط تأثيرًا لأن اليافع يمر خلال مرحلة المراهقة بما يُعرف في علم النفس بـ "أزمة الهوية"، وهي فترة بحث مستمر عن الذات. وفي ظل غياب الاستقرار الاجتماعي الكافي الذي فرضته سنوات الحرب، يصبح المراهق فريسة سهلة للهويات الضيقة التي تقدم له شعورًا زائفًا بالوضوح والانتماء. ويؤكد الدكتور أبو هلال أن سعي المراهق الفطري للانتماء قد يُستغل بشكل سلبي إذا لم يجد هذا السعي حاضنة أسرية تتفهم خصوصية المرحلة السورية الراهنة وحساسيتها النفسية.
قد يتجلى التطرف في صور بسيطة تبدو غير خطيرة في بدايتها، مثل لغة التخوين بين الأصدقاء، والإقصاء، وتبرير الكراهية أو العنف اللفظي، والمبالغة في الطاعة أو التمرد غير الواعي. تعتبر المرشدة الاجتماعية بشرى مروة هذه المؤشرات الصغيرة "إنذارًا مبكرًا" يجب على الأهل والمربين ملاحظته للتدخل عبر الحوار بدلاً من القمع أو التجاهل.
وتضيف مروة أن المراهق يتعلم السلوك غالبًا من خلال "الملاحظة والتقليد" أكثر من التوجيه المباشر. فإذا شاهد نماذج قريبة تبرر الإقصاء، سيتحول ذلك لديه إلى "نموذج طبيعي" يُحتذى به. كما تلفت الانتباه إلى مفهوم "الثواب الاجتماعي"، حيث يراقب المراهق السلوكيات التي تحظى بالتشجيع والقبول. فعندما يلاحظ أن الخطاب العنيف يحصد الإعجاب والتفاعل إلكترونيًا، قد يتبناه كوسيلة للحصول على الاعتراف والقبول. هنا تبرز نظرية "التعلم الاجتماعي" التي تؤكد أن المراهق يقتدي بالنماذج التي يراها "قوية" في محيطه. فإذا غابت القدوة المتزنة والمحاورة داخل البيت، سيبحث عنها في نماذج افتراضية تروج لخطابات إقصائية متشددة.
للتحصين ضد التطرف، يرى الدكتور محمد أبو هلال ضرورة تعزيز تعليم التفكير النقدي، وترسيخ القيم التي تشجع على بناء السلام، والتأكيد على أن قيمة الإنسان لا تستمد من انتمائه لفئة معينة، بل من عمله النافع. كما يشير إلى أهمية الخطاب الديني المتزن في مساعدة المراهقين على تبني رؤية إنسانية للحياة تحد من النزعات الإقصائية.
وتلخص الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة دور الأسرة في الوقاية من التطرف من خلال محاور أساسية:
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة
سياسة