اتفاق دمشق وقسد: إعادة تشكيل الواقع السوري وتحديات التوازنات الإقليمية


هذا الخبر بعنوان "دمشق وقسد والواقع الإقليمي" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أرسى الاتفاق المبرم بين سلطة دمشق وقسد ملامح جديدة للواقع الإقليمي، فما هو إلا اختبار لإدارة المشهد السوري بمعزل عن مسارات التفاهم التقليدية، وليس مجرد تفاهم حول مستقبل الأكراد. وقد كشفت ردود الفعل الإقليمية، لا سيما من إقليم كردستان العراق، عن عدم استعداد الأطراف المعنية لإحداث توازن جديد عبر النموذج السوري. يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه "تطبيع" للمسألة الكردية ضمن سياق النظام الإقليمي الذي يفتقر إلى استقرار واضح، ويعمل على "كبح" أي احتمالات قد تنذر بالخطر.
لقد أدت الأحداث المصاحبة لتوقيع الاتفاق إلى إغلاق ملف محوري يتعلق بتنظيم "داعش"، حيث أحدث إغلاق المعسكرات الخاصة بأعضاء التنظيم في سوريا تحولاً في الوظائف الموكلة لـقسد. كما رسم هذا الاتفاق ملامح جديدة لسد الفراغ السياسي الذي برز في سوريا بعد عام 2024. لم يكن مستقبل الأكراد في سوريا هو الشغل الشاغل للمهندسين الرئيسيين لهذا الاتفاق، بل كان الهدف الأساسي هو إعادة توزيع القوة على الجغرافيا السورية، بهدف تهيئة ظروف تتناسب مع مفهوم "قوة الدولة" ضمن حدود واضحة وقابلة للتحكم.
يكشف الاتفاق عن محاولة لإعادة دمج الشمال الشرقي في معادلة الدولة، ليس بصفته فضاءً سيادياً كاملاً، بل كمساحة منضبطة أمنياً وسياسياً. إن سلطة دمشق، التي تدرك تماماً هشاشة وضعها الإقليمي والدولي، لا تسعى لاستعادة سيطرة كاملة بالمعنى التقليدي، بل تهدف إلى إدارة مناطق النفوذ عبر ترتيبات مرنة تقلل من تكلفة الصدام وتوفر لها هامش مناورة في مواجهة الضغوط الخارجية المتعددة. في المقابل، تجد "قسد" نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها التحول من دور "الشريك الدولي" في مكافحة الإرهاب إلى فاعل محلي تحكمه توازنات داخلية وإقليمية أكثر تعقيداً.
توضح العملية التفاوضية التي سبقت الاتفاق مسألتين جوهريتين: أولاً، أن الإشكالية الأعمق تكمن في أن الاتفاق لا يقدم إجابة حقيقية عن سؤال السياسة. فإعادة توزيع القوة لا تعني بالضرورة إعادة بناء الشرعية، وضبط الأمن لا يعادل معالجة جذور الصراع. والمسألة الكردية، التي جرى "تطبيعها" ضمن منطق إدارة الأزمة، ستبقى قائمة ما لم تُدمج في عقد وطني أوسع يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أساس الحقوق لا الوظائف. ثانياً، يبرز الاتفاق تحولاً في مفهوم الحلول الإقليمية، من السعي وراء تسويات شاملة إلى إدارة دائمة للهشاشة، حيث يُنظر إلى الاستقرار على أنه وسيلة لمنع الانهيار. وهذا ما يفسر محدودية ردود الفعل المرحبة وغياب أي حماس حقيقي للاستثمار السياسي في نتائج الاتفاق، إذ يتعامل الجميع معه كحل مؤقت أو إجراء تقني لضبط مرحلة انتقالية مفتوحة على المجهول.
لا يمكن فصل قراءة ما توصلت إليه سلطة دمشق مع قسد عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتراجع مشروعات إعادة البناء السياسي لصالح ترتيبات أمنية مرنة. يعكس الاتفاق ميزان قوى هشاً ورغبة جماعية في تأجيل الأسئلة الكبرى. ويبقى مستقبل الأكراد، والدولة السورية نفسها، رهناً بلحظة سياسية لم تنضج بعد، وبإرادة إقليمية ما زالت تفضل إدارة الأزمة على حلها، مما يشير إلى وجود آلية احتواء مرحلية بدلاً من مسار تأسيسي يعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع ضمن إطار مستقر ومستدام.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة