سوريا: نهاية "النموذج الأبوي".. تحول اقتصادي يعيد تعريف دور الدولة في مرحلة التعافي


هذا الخبر بعنوان "نهاية “النموذج الأبوي”.. التحول الاقتصادي يعيد رسم دور الدولة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم الأزمات المتراكمة التي أرهقت بنية الاقتصاد السوري على مدى عقود من الفساد وسوء الإدارة، يبرز نقاش جوهري حول طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدولة في المرحلة المقبلة. فبينما اعتادت السياسات الاقتصادية لعقود طويلة على نموذج "الحكومة الأبوية" التقليدي، تفرض تحديات الواقع الراهن أسئلة ملحّة حول ما إذا كان هذا النموذج قد أصبح عبئاً على التعافي، وهل حان الوقت للتخلي عنه أو إعادة تعريفه بما يفتح الطريق أمام مسار تعافٍ اقتصادي أكثر واقعية واستدامة.
في هذا الإطار، قدم وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، رؤية للمشهد الحالي، مؤكداً أن الاقتصاد السوري لا يزال في "مرحلة جنينية" من حيث البناء الجديد، إلا أن مسار التعافي قد بدأ يتبلور بشكل ملموس وواضح، رغم الصعوبات الجسيمة. وأشار الشعار إلى إعادة تشغيل مئات المصانع وعودة آلاف الورش إلى العمل بعد التحرير، وترخيص 3560 منشأة صناعية جديدة.
وصرح الشعار في مقابلة مع قناة "الإخبارية" الرسمية، بأن نموذج "الحكومة الأبوية" التقليدي قد انتهى، وأن دور الدولة في الوقت الراهن قد تحول جذرياً من كونه دوراً "إنتاجياً" مباشراً ومنافساً، إلى دور "تيسيري" يركز على تسهيل بيئة الأعمال وفتح الآفاق أمام القطاع الخاص، داعياً الصناعيين والمنتجين إلى تحمل مسؤولياتهم. كما أوضح أن الاقتصاد السوري يقوم حالياً على نموذج "الاقتصاد الحر الموجه" الذي يسمح بالعمل ضمن القوانين، مع تدخل الدولة لتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية.
من جانبه، يرى الخبير في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات مهند زنبركجي، أن الحكومة لا يمكنها رفع يدها بالكامل عن دعم قطاعات حيوية تمس صلب الحياة اليومية كالخبز. وقال زنبركجي لصحيفة "الثورة السورية"، إن الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها تحافظ على شكل من أشكال الدعم لمواطنيها. وشدد على ضرورة "التوزيع العادل" للمواد الأساسية بأسعار رمزية، خاصة أن القاعدة الفقيرة تشكل 85 بالمئة من السوريين، ولن تلمس آثار التعافي لفترة طويلة. ويصف زنبركجي النموذج الحالي بأنه أقرب إلى "اقتصاد غير منضبط"، يغيب عنه الدور الرقابي الصارم للدولة، وهو غياب أضر بالعديد من الصناعات الوطنية لعدم وجود حماية كافية لها.
تشير تصريحات وزير الاقتصاد إلى أن المسار الجديد يعتمد على قدرة السوق والقطاع الخاص في الدفع بعجلة الإنتاج والتنمية، بتيسير من الدولة، مستنداً بذلك إلى بوادر التعافي الاقتصادي. لكن يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية قياس هذا التعافي بشكل واقعي. ويقول الباحث الاقتصادي عبد الله الرحال، لصحيفة "الثورة السورية": إن قياس أي تحول اقتصادي حقيقي لا يمكن أن يعتمد فقط على أرقام عامة أو مؤشرات جزئية قد لا تعكس الواقع المعاش للمواطن.
ويلفت الرحال إلى أن الحديث عن التعافي لا يجب أن يُختصر بعدد المصانع التي أُعيد تشغيلها أو بعدد المنشآت التي حصلت على تراخيص جديدة، فهذه الأرقام، رغم أهميتها كمؤشرات أولية، لا تكفي وحدها للدلالة على تعافٍ اقتصادي فعلي. ويؤكد أن التعافي الحقيقي يُقاس بمعايير أكثر عمقاً، مثل ارتفاع الإنتاج الفعلي واستدامته، وزيادة القيمة المضافة، وتحسن الصادرات، وخلق فرص عمل منتجة فعلاً، والأهم من ذلك كله "ارتفاع الأجور الحقيقية". أما الاكتفاء بفتح منشآت قد تعمل بشكل مؤقت أو لا تعمل بكامل طاقتها، فلا يمكن اعتباره تعافياً بالمعنى الاقتصادي الدقيق.
ويضيف الرحال أن الأرقام المتداولة حالياً لا تتناسب مع الإمكانات الإنتاجية الكبيرة التي يمتلكها الشعب السوري، ولا مع الموقع الاستراتيجي للبلاد، ما يستدعي طرح عناوين اقتصادية أكثر جرأة وأرقاماً أكبر يمكن البناء عليها لتحقيق معدلات نمو حقيقية، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات "شكلية" تبقى حبيسة التقارير، ولا يلمس المواطن أثرها المباشر في مطبخه أو جيبه.
من زاوية أخرى، يشير الخبير في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات مهند زنبركجي، إلى غياب الأرقام الإحصائية الحقيقية والشاملة التي تسمح بتقييم الوضع بطريقة علمية. ويلفت زنبركجي إلى وجود "فجوة مقلقة" في البيانات، فذكر ترخيص آلاف المنشآت لا يعد مؤشراً كافياً ما لم يرافقه توضيح دقيق لعدد المنشآت التي استمرت في الإنتاج الفعلي. كما يؤكد ضرورة عدم إغفال عدد المصانع التي أغلقت أبوابها نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف التشغيل والطاقة، أو بسبب عدم قدرتها على الصمود أمام البضائع المستوردة، خاصة في قطاع النسيج الذي يمثل هوية الصناعة السورية.
ويرى زنبركجي أن المؤشرات الحقيقية والملموسة للتعافي يجب أن تُقاس بمعيارين أساسيين يلامسان حياة الناس، هما حجم الوظائف الفعلية التي ضخها الاقتصاد لامتصاص البطالة، ومدى التحسن الحقيقي في متوسط دخل الفرد وقدرته الشرائية.
على الرغم من إعلان التخلي عن نموذج "الحكومة الأبوية"، إلا أن هذا لا يعني انسحابها الكامل من المشهد الاقتصادي، إذ يتيح نموذج "الاقتصاد الحر الموجّه" استمرار تدخل الدولة بشكل موجه لتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية، وفق تصريح وزير الاقتصاد. ويرى الرحال أن نموذج "الاقتصاد الحر الموجّه" بحد ذاته لا يشكّل مشكلة، معتبراً أنه قد يكون "فرصة ذهبية" لسوريا في هذه المرحلة، بشرط أن يُدار ضمن إطار قانوني واضح وعادل.
ويشرح الرحال أن نجاح هذا النموذج يبقى مرهوناً بوجود تشريعات واضحة، وعدالة في منح التراخيص، ونظام ضريبي منصف، ورقابة فعلية غير انتقائية، إلى جانب توافر بنية تحتية مناسبة ومناخ أمني واقتصادي مستقر. ويضيف: في حال توافرت هذه الشروط، فإن الاقتصاد الحر قادر على تحقيق نتائج إيجابية مذهلة، لا سيما في بلد يمتلك شعباً منتجاً بطبعه وخبرات متراكمة مثل سوريا. أما في حال غياب هذه الضوابط، فيحذر من انزلاق النموذج نحو "فوضى السوق والاحتكار"، أو عودة الدولة للتدخل بأسلوب يُفرغ المفهوم من مضمونه.
فيما يتعلق بالزمن الذي يحتاجه السوريون ليشعروا بالفرق مع التوجّه الاقتصادي الجديد، يطرح الخبيران رؤيتين متقاربتين. يؤكد الباحث الرحال أن الحديث عن تحسن فوري غير واقعي في ظل الدمار وشح الموارد، وأن أي تحسن جزئي قد يبدأ بالظهور خلال 6 إلى 18 شهراً، خاصة إذا جرى التركيز على الخدمات الأساسية، أما التحسن الأوسع في الدخل فيتطلب من سنتين إلى أربع سنوات، بينما يحتاج التعافي الهيكلي الشامل وقتاً أطول.
من جهته، يرى زنبركجي أن الأمر يعتمد على جودة التخطيط الاستراتيجي، الذي يفتقد حالياً للخبرات العالية في إدارة الأزمات، وبحسب تقديراته تحتاج سوريا من 4 إلى 5 سنوات لوقف التدهور، و8 سنوات للوصول إلى الاستقرار، و12 سنة لتحقيق الاستقرار الكامل والازدهار. ويدعو الرحال إلى اتخاذ "خطوات جريئة"، في مقدمتها إطلاق مشاريع كبرى واستراتيجية بدلاً من الاكتفاء بالمشاريع الصغيرة. كما يشدد على أهمية تفعيل الاكتتابات العامة، وإشراك السوريين مباشرة في ملكية مشاريع النهضة الاقتصادية، وتأسيس شركات قابضة عملاقة تعتمد على الاكتتاب العام لضخ الثقة في سوق دمشق للأوراق المالية، إلى جانب الاستثمار الجاد في التعليم المهني والتقني وربطه بسوق العمل، وعقد مؤتمرات حقيقية تخرج بخطط تنفيذية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد