زلزال 6 شباط بعد ثلاث سنوات: سوريا تتذكر الضحايا وتواصل رحلة التعافي رغم التحديات


هذا الخبر بعنوان "ثلاث سنوات على زلزال 6 شباط: التعافي مستمر وإرادة الحياة أقوى" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحيي كل من سوريا وتركيا، اليوم الجمعة، الذكرى السنوية الثالثة لزلزال السادس من شباط/فبراير 2023، الذي يُعد واحداً من أشد الكوارث الطبيعية فتكاً في تاريخ المنطقة الحديث. لقد تسبب هذا الزلزال في دمار واسع النطاق وخلف آلاف الضحايا، مما عمّق المأساة الإنسانية، لا سيما في شمال غربي سوريا، حيث تضافرت آثار الزلزال مع تبعات حرب طويلة الأمد أرهقت السكان والبنية التحتية على حد سواء.
في هذه المناسبة الأليمة، أصدرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية بياناً أكدت فيه أن الذكرى الثالثة للزلزال المدمر تحمل في طياتها مشاعر لا تُمحى، لحظات انتصرت فيها إرادة الحياة، وأخرى كانت مثقلة بالحزن والفقد. وأوضحت الوزارة أن إحياء هذه الذكرى ليس بهدف “فتح الجراح، بل لتخليد ذكرى من فقدناهم، والترحم على أرواحهم، وتجديد العهد بأننا سنبقى نزرع الأمل، وننهض بإرادة أقوى لبناء مستقبل يليق بسوريا”. وأضافت: “في الذكرى الثالثة لزلزال 6 شباط 2023 الذي ضرب سوريا وتركيا، نخلّد ذكرى الضحايا المحفورة في ذاكرتنا إلى الأبد”.
من جانبه، أكد الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) في بيان له أن هذه الذكرى تستعيد إلى الأذهان “المشهد الذي لا ينساه السوريون، هتاف الحياة الذي كان يجدد العزم ويمنح القوة للاستمرار”، مشدداً على أنه “بعد ثلاثة أعوام على الكارثة، سنبقى على قيد الأمل”. وأضاف البيان أن “ثلاث سنوات مضت على زلزال 6 شباط، وما زال الدرس واحداً: قوة سوريا بأبنائها”.
في تمام الساعة 4:17 من فجر السادس من شباط 2023، ضرب زلزال عنيف بلغت قوته 7.8 درجات على مقياس ريختر مناطق واسعة من شمالي سوريا وجنوبي تركيا. تبع هذا الزلزال المدمر بعد ساعات قليلة زلزال آخر بقوة 7.6 درجات، بالإضافة إلى عشرات الهزات الارتدادية التي زادت من حجم الكارثة. لقد خلفت هذه الكارثة خسائر بشرية ومادية هائلة، وفاقمت التحديات الإنسانية في بلد كان يعيش أصلاً تداعيات أكثر من 12 عاماً من الحرب. وكان شمال غربي سوريا من أكثر المناطق تضرراً، نظراً لبنيته التحتية الهشة، والتشريد الواسع للسكان، وضعف الإمكانات الطبية والخدمية. ولم تقتصر آثار الزلزال على سقوط الضحايا ودمار المباني، بل امتدت لتشمل تحديات طويلة الأمد في التعافي، وتأمين المأوى، وسبل العيش، ومواجهة المخاطر الصحية وانتشار الأمراض.
فور وقوع الزلزال، أعلن الدفاع المدني السوري حالة الطوارئ القصوى، وبدأ على الفور عمليات البحث والإنقاذ في 182 موقعاً ضمن 60 مجتمعاً، حيث تضرر أكثر من 580 مبنى بشكل كامل، ونحو 1578 مبنى بشكل جزئي. شارك في هذه الاستجابة أكثر من 3000 من كوادر الدفاع المدني، منهم 2500 متطوع و300 متطوعة، بالإضافة إلى 200 موظف إداري، مع تعبئة كاملة للآليات والمعدات، واستئجار آليات ثقيلة من الأسواق المحلية. تمكنت فرق الخوذ البيضاء من إنقاذ 2950 شخصاً من تحت الأنقاض، وانتشال 2172 ضحية، وهي أرقام تعبر عن حجم استجابة الدفاع المدني، ولا تمثل كامل عدد الضحايا في المناطق المتضررة. خلال الساعات الـ72 الأولى، التي تُوصف بالذهبية في إنقاذ الأرواح، واجهت فرق الإنقاذ والسكان المحليون الكارثة في ظل غياب أي تحرك دولي مباشر لمساعدة شمال غربي سوريا، وتأخر وصول المساعدات الأممية، وسط تعقيدات سياسية استُخدمت فيها المساعدات كورقة ضغط.
بعد انتهاء المرحلة الأولى من الاستجابة، التي شملت البحث والإنقاذ وانتشال الضحايا، انتقل الدفاع المدني السوري إلى مراحل لاحقة ركزت على إزالة المخاطر، وفتح الطرق، ودعم الإيواء، ثم التعافي وإعادة التأهيل. ففي المرحلة الثانية، جرى فتح طرق بطول 800 كيلومتر ضمن 335 تجمعاً سكانياً و119 مخيماً، وإزالة أسقف وجدران مهددة بالانهيار بحجم تجاوز 30 ألف متر مكعب. أما المرحلة الثالثة، فشملت رفع الأنقاض وإعادة التأهيل، حيث أزيل أكثر من 442 ألف متر مكعب من الأنقاض ضمن 162 تجمعاً سكنياً. كما ساهمت الفرق في إنشاء مراكز إيواء مؤقتة، وتجهيز بنيتها التحتية، من خلال فرش وتسهيل طرق وأراضٍ بمساحة تقارب 887 ألف متر مربع، ضمن 396 تجمعاً و503 مخيمات.
برزت المشاركة المجتمعية كعامل حاسم في مواجهة الكارثة، سواء في الساعات الأولى أو خلال مراحل التعافي، خاصة في ظل التقاعس الدولي. أسهم المدنيون وشركاء الدفاع المدني من منظمات محلية ودولية في تعزيز القدرة على الاستجابة، عبر شراكات وتحالفات إنسانية ساهمت في تنفيذ مشاريع نوعية. كما أثبتت متطوعات الخوذ البيضاء دوراً محورياً في جميع مراحل الاستجابة، من البحث والإنقاذ، إلى تقديم الخدمات الطبية والدعم النفسي والاجتماعي. وخلال عام 2023، استفاد أكثر من 127 ألف مدني من الخدمات التي قدمتها المتطوعات، فيما قُدمت خلال عام 2024 أكثر من 143 ألف خدمة إضافية في مراكز صحة النساء والأسرة.
خلال عامي 2023 و2024، نفذ الدفاع المدني السوري عشرات المشاريع في مجالات تأهيل الطرق، وشبكات المياه والصرف الصحي، والتعليم، والصحة، ودور العبادة، والمرافق العامة، في إطار خطة تهدف إلى تخفيف معاناة المتضررين، وتعزيز الاستقرار، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التخطيط طويل الأجل. وشملت المشاريع إعادة تأهيل وتزفيت طرق رئيسية وفرعية في إدلب وحلب وعفرين وجرابلس وجسر الشغور، وتأهيل عشرات المدارس والكليات، وبناء مرافق صحية، من بينها مركز لعلاج السرطان في عفرين، إضافة إلى تأهيل شبكات مياه الشرب والصرف الصحي في عشرات المجتمعات والمخيمات.
لم تتوقف معاناة السوريين عند آثار الزلزال، إذ تزامنت جهود التعافي مع استمرار الهجمات العسكرية خلال عامي 2023 و2024، والتي وثقت فرق الدفاع المدني مئات منها، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، واستهداف واسع للمرافق المدنية، من منازل ومدارس وأسواق ومشافي ومخيمات. كما واصلت فرق الخوذ البيضاء أعمالها الموازية في الإسعاف، وإطفاء الحرائق، وإزالة مخلفات الحرب، وحوادث السير، وجلسات التوعية، مسجلة عشرات الآلاف من التدخلات الإنسانية والخدمية، في محاولة لتعزيز الصمود المجتمعي في ظل ظروف بالغة التعقيد.
بعد ثلاثة أعوام على زلزال شباط، لا تزال آثاره حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، خاصة في شمال غربي البلاد، حيث فقد عشرات الآلاف منازلهم وسبل عيشهم، وتعيش آلاف العائلات في مراكز إيواء تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. يؤكد العاملون في المجال الإنساني أن الزلزال لم يكن مجرد حدث عابر، بل كارثة ستستمر آثارها لسنوات طويلة، في بلد أنهكته حرب طويلة، ودمار واسع، ومخلفات حرب تهدد الأرواح وتعيق العودة وإعادة الإعمار. ومع ذلك، تبقى الذكرى الثالثة مناسبة لاستحضار تضحيات الضحايا، وتكريم جهود المنقذين والمتطوعين، والتأكيد على أن إرادة الحياة التي واجهت الزلزال والحرب معاً، لا تزال حاضرة وقوية، وأن الأمل ببناء سوريا أكثر أمناً وعدالة لم ينطفئ، بل يزداد رسوخاً مع كل عام يمر.
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة