اتفاق دمشق و"قسد": هل ينهي حلم الأكراد بالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا؟


هذا الخبر بعنوان "أكراد سوريا تحت الضغط.. فقدان السلطة أم الاندماج في الدولة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحول لافت بشمال شرق سوريا، دخلت القوات التابعة للحكومة المركزية في دمشق، برفقة نحو مائة موظف من وزارة الداخلية السورية، أجزاءً من مدينة الحسكة يوم الاثنين (الثاني من شباط/فبراير 2026). هذه المناطق كانت في السابق تحت سيطرة القوات الكردية، ويأتي هذا التطور في إطار اتفاق أبرمه الجيش السوري مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الأغلبية الكردية يوم الجمعة السابق.
كانت قسد تحكم المنطقة بمفردها قبل أن تضعف بشكل كبير في الاشتباكات العسكرية مع الحكومة المركزية. ويهدف الاتفاق، وفقًا لنصوصه، إلى "توحيد الأراضي السورية" والبدء في "عملية دمج تدريجي" للقوات الكردية والهياكل الإدارية ضمن الدولة السورية.
قوبل الاتفاق بترحيب واسع، خصوصًا في دمشق، حيث ساد شعور واضح بالانتصار. وصف الجيش السوري هذا الاتفاق ودخوله المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قسد بـ"نقطة تحول تاريخي". وقد أعلن الجيش في بيان نقلته وكالات الأنباء أنَّ وجود القوات الحكومية يمثل "نهاية حكم الإدارة الذاتية وبداية عهد جديد لسوريا موحدة". وبذلك، يبدو أنَّ حلم الأكراد بحكم ذاتي كامل ودائم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في شمال شرق سوريا – الذي غالبًا ما يطلقون عليه اسم روج آفا – قد انتهى بوضوح.
تختلط المشاعر لدى أهالي الحسكة بناءً على هذه التطورات. ففي هذه المدينة لا يقطن الأكراد فحسب، بل يعيش فيها أيضًا العديد من العرب إلى جانب مجموعات عرقية أخرى. وكانت ميليشيات العشائر العربية قد دعمت مؤخرًا الحكومة السورية في حربها ضد الأكراد، بعد سنوات من التعاون معهم في نظام حكم ذاتي سيطرت عليه القوات الكردية بحكم الأمر الواقع ونشأ خلال الحرب الأهلية السورية. وقد كانت الفرحة بتغيير السلطة واضحة، حيث استقبل أفراد من العشائر العربية القوات الحكومية بإطلاق الرصاص في الهواء تعبيرًا عن ابتهاجهم بوصولها، وفقًا لما ذكرته وكالات الأنباء. وعلى الأرجح، لا يشارك الكثير من الأكراد هذه الفرحة، إذ يعتبرون أنفسهم خاسرين في التطورات الأخيرة.
على الرغم من أنَّ الاتفاق ينص على عدم دخول القوات الحكومية إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية، إلا أنه من المقرر أن تتولى وحدات صغيرة من قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية تأمين المؤسسات الحكومية، مثل دائرة الأحوال المدنية والجوازات والمطار، واستئناف عملها في مدن مثل الحسكة والقامشلي. وفي المقابل، يخشى الأكراد من فقدان جزء كبير على الأقل من حقوقهم السابقة، أو حتى من تعرضهم للقمع والاضطهاد من جديد بعد سنوات من الإدارة الذاتية.
في الواقع، من المحتمل أن يفقد الأكراد أجزاءً كبيرة من إدارتهم الذاتية، كما صرحت الباحثة السياسية بينتي شيلر، الخبيرة في شؤون سوريا لدى مؤسسة هاينريش بول الألمانية، في حوار مع DW. وأضافت أنَّ المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد تقلصت مساحتها بشكل ملحوظ، معربة عن خشيتها من تأثير ذلك على التطورات المستقبلية، خاصة وأنَّ هذا الاتفاق تم عقده تحت ضغط عسكري من القوات الحكومية. وترى شيلر أنَّ الإدارة الذاتية الكردية "تقلصت إلى مناطق صغيرة جدًا"، ومن المرجح أن تضطر في المفاوضات المستقبلية "إلى تقديم المزيد من التنازلات".
في المقابل، يرى المحلل السياسي محسن المصطفى، في مقال له بمجلة "سوريا المتجدّدة"، أنَّ الأكراد لديهم الآن فرصة نادرة للاستمرار في تمثيل مصالحهم. ويضيف أنَّ هذه الفرصة تكمن في التمثيل البرلماني، واصفًا إياها بـ"الانتقال الحاسم من منطق الميليشيات المسلحة إلى الانخراط السياسي والتعددية ضمن إطار دستوري". ومن الممكن أن يعزز ذلك التعددية في سوريا ويؤدي إلى اندماج الأكراد ومشاركتهم الفعالة في سوريا الجديدة. ومثل هذا الاندماج سيكون أيضًا "منسجمًا مع مطالبهم الحقوقية التي بدأت الدولة الاستجابة لها عبر قرارات وإعلانات رئاسية (لغة، ثقافة، مواطنة)". وبذلك، سيتبع الأكراد "منطق الدولة الواحدة، لا 'الكانتون' المسلح"، كما يرد في تعليق محسن المصطفى، الذي يعكس في هذه النقطة موقف الحكومة الانتقالية.
بشكل عام، توجد مخاطر كثيرة بالنسبة للأكراد، كما تؤكد الخبيرة بينتي شيلر. وهذا يتوقف أيضًا على كيفية إدارة سوريا وحكمها في المستقبل. فقد كان على الأكراد في عهد الأسد تسليم الكثير من الموارد الموجودة في مناطقهم إلى مناطق سورية أخرى، ومن الممكن بطبيعة الحال أن يتكرر ذلك في المستقبل أيضًا. وتضيف الخبيرة شيلر أنَّ هذا ينطبق مثلًا على الموارد المائية، وأنَّ دمشق ستسيطر على أهم سد في سوريا، أي سد تشرين. وبناءً على ذلك، ستصبح مسألة إمدادات المياه في المستقبل مسألة حرجة بالنسبة للأكراد بعد فقدانهم السلطة.
قد تكون لهذا الاتفاق تداعيات على السياسة الخارجية أيضًا، كما ورد في تحليل من مركز أبحاث ستيمسون الأمريكي. فعلى الرغم من أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تدعم الأكراد، الشركاء القدامى في محاربة الإرهاب، واعتمدت بشكل كبير على الحكومة الانتقالية الجديدة، إلا أنَّ هذا لا يعني بالضرورة القطيعة التامة. ولكن هذا يجبر الأكراد على إعادة تقييم موقفهم بواقعية. وفي المقابل، من الممكن أن تخسر الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تغيير مسارها شريكًا موثوقًا به في محاربة الإرهاب.
يبقى المستقبل غامضًا حتى الآن. فربما يثبت الاتفاق بين الأكراد والحكومة المركزية، والذي تم التوصل إليه تحت ضغط عسكري، أنه فرصة لاندماج دائم. ولكنه قد يفشل في نهاية المطاف مرة أخرى بسبب اختلاف تصورات الطرفين، كما يرد في تحليل من مجلة "ليفانت 24". وبحسب هذا التحليل، فمن غير الواضح حاليًا "إن كان هذا الاتفاق يمثل نقطة تحول حقيقية أو مجرد هدنة هشة أخرى في الصراع السوري الطويل".
في المقابل، تبدو خبيرة الشرق الأوسط بينتي شيلر أكثر تفاؤلاً. فهي تعتقد أنَّ مجال التفاوض المتاح للأكراد محدود في الواقع، ولكن الاتفاق يراعي المطالب الكردية الرئيسية، التي تشمل مثلًا أن يكون نائب وزير الدفاع من صفوف الأكراد، وأن يتم منح منصب المحافظ لشخص كردي. وكذلك يحترم الاتفاق حقوق الأكراد اللغوية والثقافية، كما تقول شيلر: "يبدو لي أنَّ حكومة دمشق تريد أن ترسل إشارة جادة تفيد بأنَّ سوريا الجديدة ستشمل جميع المجموعات العرقية والدينية".
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة