الجزيرة السورية: العشائر البدوية بين تحديات الهوية الوطنية وضرورة الاندماج في الدولة الحديثة


هذا الخبر بعنوان "العشائر البدوية.. الهوية والانتماء في زمن الدولة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قبل أن تظهر صور الدمار وتُفتح ملفات الإهمال والتهميش، واجه أبناء الجزيرة السورية نوعًا آخر من المعاناة، أقل وضوحًا ولكنه أشد إيلامًا: نظرة التعالي والاستخفاف التي برزت مع بدايات التحرير. فقد انتشرت حينها تعليقات وخطابات تختزل المنطقة وسكانها في صور نمطية جاهزة، وتتعامل معهم كعبء اجتماعي أو حالة متخلفة تحتاج إلى «إعادة تأهيل»، لا كشركاء حقيقيين في بناء الوطن. هذه النظرة لم تكن جديدة تمامًا، لكنها تجلت بوضوح أكبر في تلك اللحظة المفصلية، التي كان يُفترض أن تكون مرحلة تضامن واحتواء، فتحولت، في بعض الخطابات، إلى مناسبة لإعادة إنتاج الإقصاء بلغة مختلفة. هذا الواقع عمّق شعور الكثيرين من أبناء العشائر بأنهم ما زالوا يُعاملون كأطراف هامشية، وليس كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
مع اكتمال عملية التحرير في مطلع عام 2026، وعودة محافظات الجزيرة السورية إلى كنف الوطن، بدأت تصل، لأول مرة منذ أكثر من عشر سنوات، صور ومقاطع توثّق واقع هذه المناطق بعد سنوات طويلة من العزلة والاضطراب. كشفت هذه المشاهد عن حجم الدمار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي الذي عانت منه الجزيرة السورية، نتيجة عقود من الإهمال خلال الحقبة البعثية، تلتها مرحلة شديدة السواد مع سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، ثم مرحلة جديدة مع وصول قوات سوريا الديمقراطية وسيطرتها على المنطقة.
في خضم هذه التحولات القاسية، دفع سكان الجزيرة، ولا سيما أبناء العشائر البدوية، ثمنًا مضاعفًا، ليس فقط بسبب الظروف الأمنية والمعيشية، بل أيضًا نتيجة النظرة التعميمية والتمييز الذي طالهم، سواء على المستوى المجتمعي أو السياسي. فعلى مدى عقود، لم يُنظر إلى الجزيرة السورية إلا بوصفها خزانًا استراتيجيًا للقمح والنفط والغاز، ومصدرًا للمياه عبر سد الفرات، دون أن تُعامل كفضاء اجتماعي حي يضم مجتمعًا متنوعًا بثقافته وتقاليده وتاريخه. لم تُؤخذ خصوصية هذه المنطقة بعين الاعتبار في السياسات التنموية أو التعليمية أو الثقافية، بل جرى التعامل معها كمنطقة إنتاج تُستنزف مواردها دون أن يُعاد استثمارها في الإنسان الذي يعيش فوقها.
هذا التهميش الممنهج ساهم في تعميق الشعور بالعزلة، وكرّس فجوة متزايدة بين أبناء الجزيرة ومؤسسات الدولة، ما أضعف تدريجيًا مفهوم الانتماء الوطني، وفتح الباب أمام بدائل هوياتية ضيقة، قائمة على العشيرة أو السلاح أو النفوذ المؤقت. وحتى بعد التحرير، لم يتغير الخطاب كثيرًا. فعند ذكر شمال شرق سوريا أو الجزيرة السورية، غالبًا ما يُشار إليها بوصفها مناطق نفوذ لهذا الطرف أو ذاك، أو بوصفها مناطق ثروات وموارد، دون الالتفات الجاد إلى العنصر البشري، الذي يُعد الركيزة الأساسية في بناء الوطن والدولة الحقيقية. ولا يقتصر هذا الإهمال على العشائر العربية وحدها، بل يشمل أيضًا باقي المكونات من أكراد وسريان وآشوريين وغيرهم من أطياف المنطقة المتنوعة. غير أن التركيز في هذا السياق ينصبّ على العشائر العربية، بوصفها الأكثر عددًا، على الأقل في محافظتين، وفق التعدادات السكانية القديمة.
في ظل هذا الواقع، لجأ كثير من أبناء العشائر إلى مرجعياتهم القبلية التقليدية، بوصفها ملاذًا بديلًا عن الدولة الغائبة. إلا أن جزءًا من زعامات هذه العشائر تحول، في مراحل مختلفة، إلى أدوات لخدمة مصالح ضيقة، فتارة ارتبط بالنظام، وتارة بإيران، وتارة بتنظيمات متطرفة، أو بحزب العمال الكردستاني، مستثمرًا ثقافة الطاعة العمياء التي ترسخت عبر أجيال، في خدمة مكاسبه المالية والنفوذية. وبالطبع، لا يمكن التعميم في هذا السياق، فليس جميع شيوخ العشائر أو أبنائها سواء، غير أن نسبة معتبرة وقعت في هذا المسار، نتيجة تراكمات طويلة من التهميش والحرمان.
ويضاف إلى ذلك سياسات قديمة هدفت إلى تجهيل أبناء المنطقة، ودفعهم نحو العمل الزراعي المبكر على حساب التعليم، وإبعادهم عن المدارس والجامعات، فضلًا عن تحويلهم إلى خزان بشري للتجنيد في القوات المسلحة، واستخدامهم وقودًا في الحروب الداخلية والخارجية، وهي سياسات ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم. ولا يمكن تحميل أبناء الجزيرة السورية مسؤولية ما مروا به خلال الخمسة عشر عامًا الماضية على وجه الخصوص، ولا حتى خلال العقود الستة التي سبقتها في ظل حكم البعث. فقد كان سكان هذه المنطقة، في مرحلة مبكرة، جزءًا من الخطاب الرسمي الذي روج لما سمي بـ«الثورة الفلاحية»، وانخرطوا، بحسن نية، في الشعارات البعثية التي رفعت اسمهم ظاهريًا، بينما كانت في الواقع تكرس تهميشهم. وعلى الرغم من ذلك، كانوا من أكثر الفئات تضررًا من الإهمال والتهميش، سواء على المستوى التنموي أو التعليمي أو الخدمي.
ومع ذلك، فإن الحلول المطروحة اليوم ليست معقدة ولا مستحيلة التنفيذ. بل يمكن الاستفادة من تجارب قريبة وناجحة في التعامل مع البنية العشائرية والقبلية، كما هو الحال في دول الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت، حيث جرى دمج العنصر القبلي ضمن إطار الدولة الحديثة، مع الحفاظ على الموروث المحلي والاعتزاز بالهوية العشائرية، دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام المواطنة أو الولاء الوطني. لقد تحول هذا الاعتزاز، في تلك التجارب، إلى عنصر دعم للدولة، لا عامل إضعاف لها، وأصبح الانتماء للعشيرة مكملًا للانتماء للوطن، لا بديلًا عنه.
ومن جهة أخرى، تبرز الحاجة الملحة إلى دفع أبناء العشائر نحو نبذ السلاح، وكسر الصورة النمطية التي تربط «الرجولة» بالقوة المسلحة والعزوة القبلية، واستبدالها بقيم العلم والمعرفة والعمل والإنتاج. فالشرف الحقيقي لا يُقاس بعدد البنادق، بل بقدرة الإنسان على بناء نفسه ومجتمعه.
إن نشر التعليم، وتعزيز الثقافة، وتوسيع فرص الوصول إلى المدارس والجامعات، يمثل المدخل الأساسي لإعادة بناء الشعور الوطني في الجزيرة السورية، إلى جانب تحسين الخدمات والمرافق العامة، وترسيخ حضور الدولة بوصفها راعية لمصالح الناس، لا مجرد سلطة فوقية. كما لا يمكن إغفال الدور الثقافي والإعلامي، ولا سيما الدراما السورية، التي شكلت يومًا إحدى أهم أدوات التأثير المجتمعي، لكنها تجاهلت الجزيرة السورية لعقود، فلم يُنتج عمل درامي واحد يعبر عن واقعها الحقيقي. واليوم، تتوافر فرصة تاريخية لتصحيح هذا الغياب، وإعادة إدماج المنطقة في الوعي الوطني العام.
إن رغبة أبناء الجزيرة الواضحة في العودة إلى كنف الدولة تمثل فرصة نادرة، وربما فريدة، لا يجوز التفريط بها. فاستثمار هذه اللحظة عبر سياسات عادلة وتنموية وثقافية متوازنة، هو السبيل الوحيد لتحويل المعاناة الطويلة إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا وانتماء.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة