كتاب ساطع نور الدين يكشف: دعوة لمصالحة لبنانية-سورية تاريخية ومساءلة "حزب الله" حول تورطه في سوريا


هذا الخبر بعنوان "“لبنان وسوريا: تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة” لساطع نور الدين: المساءلة اللبنانية على خطيئة “حزب الله”" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستعد دار نوفل / هاشيت أنطوان لإصدار كتاب جديد للكاتب السياسي اللبناني ساطع نور الدين بعنوان "لبنان وسوريا: تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة". يتجاوز الكتاب القراءات التاريخية التقليدية للعلاقات اللبنانية-السورية، ليقدم بدلاً منها رؤى وطروحات تهدف إلى تجنب أي تصدعات سياسية أو أمنية مستقبلية بين الدولتين الجارتين، ويدعو إلى مصالحة تاريخية شاملة. وفيما يلي، نستعرض مقتطفات من الفصل الخامس الذي يتعمق في العلاقة المعقدة بين "حزب الله" وسوريا، ويؤكد على أهمية تطهير الذاكرة المشتركة من خلال مساءلة لبنانية لأخطاء الماضي التي تركت جروحاً عميقة.
يطرح الكتاب سيناريوهين لا ثالث لهما: إما أن يبقى تورط "حزب الله" في الحرب السورية سبباً دائماً لتفجير العلاقات الثنائية، أو أن يتحول إلى عامل يمهد لمصالحة تاريخية جديدة بين البلدين والشعبين. يرى ساطع نور الدين أن هذه فرصة للاعتراف بالأخطاء المتبادلة والمتراكمة قبل انخراط بعض شيعة لبنان كطرف في أتون الصراع في سوريا، لمصلحة نظام الأسد الذي سبق أن جعل منهم فرقته العسكرية المتقدمة، والمرادفة لجيشه وأمنه، واستخدمها طوال فترة وجوده على الأراضي اللبنانية التي امتدت نحو خمسين عاماً. وقد انتهى ذلك "الحلف المقدس" العلوي-الشيعي وانهار عقده تماماً بعد هروب بشار الأسد من دمشق.
ويحذر الكتاب من أن الزعم بإمكانية نسيان تلك الصفحة المظلمة من تاريخ البلدين بمجرد طيّها، هو وصفة للحفاظ على الأحقاد والكراهيات والضغائن، مما يعرقل المصالحة المنشودة أو يعطلها تماماً. وقد يعيد ذلك للحدود البرية وظيفتها كخط تماس دائم وممر مفتوح لتهريب كل ما يؤذي الشعبين والدولتين، ويحكم عليهما بأن يظلا رهينتين لتنظيمات وشبكات وعشائر تتبادل إطلاق النار وتتآمر على استقرارهما، وعلى بناء شبكة مصالح مؤثرة عابرة للحدود وخارقة للقوانين والأعراف، تتحول إلى عبوات ناسفة لكل مشروع تطبيع بين العاصمتين.
تقتضي الخطوة الأولى نحو المصالحة الاعتراف بأن هذه القضية التي لا تُنسى ليست محرمة أو محظورة أو حتى مؤجلة. ولعل الدافع نحو تحويلها إلى أولوية على طاولة الحوار والتفاوض بين الدولتين، يحقق المصالحة الداخلية المنشودة، ويخدم الاستقرار والازدهار في كل من الدولتين على حدة، كما يفتح الحوار الطبيعي بينهما من دون شروط مسبقة، أو حساسيات قائمة، أو اختبارات حرجة لدرجات الولاء والانتماء والاندماج في مشروع الدولة اللبنانية والسورية على حد سواء. وليس من المبالغة القول إن المصالحة الداخلية في لبنان كانت وستظل مرهونة بالمصالحة الداخلية في سوريا، التي بدورها تعتمد في جانب كبير منها على قدرتها على استيعاب الأقليات، ولا سيما منهم الأقلية العلوية والكردية، وفي كبح جموح الدروز نحو الانفصال والاستقلال المؤدي إلى الالتحاق بإسرائيل.
قد تكون أفضل مقاربة لهذه المسألة هي بالعودة قليلاً إلى تجربة نظام الأسد الذي كان يتوقع عندما دخل إلى لبنان أن يحصل على وصاية كاملة عليه، تحظى بالإجماع اللبناني، وتكون بديلاً من خراب الحرب الأهلية التي كان اللبنانيون والفلسطينيون ينغمسون فيها. لم ينل حافظ الأسد ذلك الإجماع يوماً، وذلك على الرغم من غطائه العربي والغربي والإسرائيلي الواسع. فانقلبت أدوار جيشه وتحالفاته من اليمين المسيحي إلى اليسار المسلم، إلى الوسط المختلط، المؤهل لتغطية بقائه في لبنان بوصفه قوة شرعية رغم عدم نجاحه في مصالحة اللبنانيين، ولا المساهمة في بناء جيشهم الوطني، قبل أن يضع أسراره كلها في عهدة القوى والأحزاب الشيعية التي رافقته حتى النهاية، وامتشقت السلاح دفاعاً عنه، ولم تلقه حتى فرار ابنه بشار إلى منفاه الروسي في الشهر الأخير من عام 2024.
وخلال العقدين الأخيرين، اكتسبت تلك القوى الشيعية الثقة السورية المطلقة، وصارت بمنزلة وكيل عن الجيش والمخابرات السورية، تعزز دورها وشرعية سلاحها بالمقاومة التي نالت حصريتها ضد العدو الإسرائيلي، والتي كانت واحدة من أهم أوراق قوة نظام الأسد في مفاوضاته حول مستقبل هضبة الجولان السورية المحتلة، ومشاريع السلام مع دولة إسرائيل. ومع ازدياد أهمية تلك القوى الشيعية في الصراع الحدودي مع العدو، تزايد نفوذها في الداخل اللبناني، حتى باتت قوة مؤثرة في معظم مؤسسات الدولة اللبنانية، تستطيع تعطيلها عندما تشاء، أو تشغيلها عندما تجد الحلفاء المناسبين من بقية الطوائف اللبنانية.
لم تأتِ الخطيئة الكبرى التي ارتكبها "حزب الله" في قراره القتال مع نظام الأسد من فراغ ولا بمحض الصدفة؛ بل كانت أشبه باستكمال سياق سابق، كلله مشهد إحاطة مقاتلي الحزب بجثمان حافظ الأسد لدى تشييعه، وطوافهم بالملابس العسكرية السوداء حول قبره في القرداحة في حزيران عام 2000، بينما كانت سوريا كلها تشعر بمزيج من الحذر والتوجس من وريثه بشار. وكان انخراط مقاتلي الحزب في الجنازة، ثم لاحقاً في القتال مع الأسد في عام 2011 بمنزلة عملية انتحارية، تعبر عن الوفاء والإخلاص والاندماج في نظام الأسد، لم تساهم في حمايته ولا في دوامها؛ لكنها ساهمت في استدراج إيران نحو التدخل المباشر دفاعاً عن "نظام مقاوم يدعم المقاومة ويمثل عمقه ومعبراً لسلاحها وتمويلها"؛ بغض النظر عن التحفظات الإيرانية عن سلوك ذلك النظام وشرعيته وميله التركي في السنوات الأولى من حكمه.
كان تدخل "حزب الله" في سوريا سابقاً لتدخل إيران الذي بدوره لم يكن كافياً لحماية الأسد؛ بل كان مساهماً أو محفزاً لاستدراج روسيا وتحييد تركيا. وقد نقل كلعلي بابايي في كتابه الصادر في طهران بعنوان "رسائل الأسماك" رواية القائد الأول للحرس الثوري الإيراني العميد حسين همداني (الذي قتل في معارك حلب في عام 2015) والتي تؤكد بشكل قاطع أن الأمين العام السابق لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله كان له دور حاسم في استدعاء إيران وتوريطها في الحرب السورية. فعندما رفع همداني إلى المرشد الإيراني علي خامنئي أربع توصيات لدعم نظام الأسد المتهالك؛ بينها التوجيه السياسي والاقتصادي والثقافي وحتى الديني، أحال خامنئي تلك التوصيات على نصر الله الذي رد بمقولته الشهيرة إن "ثمة أولوية مطلقة الآن لمنع سقوط النظام هي إسناده العاجل بالقوة العسكرية، قبل ضمان صموده بالوسائل الأخرى"؛ فما كان من خامنئي، إلا أن اعتمد تلك المقولة نهجاً ثابتاً للتعامل مع سوريا ونظامها، وهو ما كان يكلف إيران سنوياً نحو أربعة مليارات دولار؛ بينها خطوط ائتمان لتمويل واردات سوريا من النفط والغذاء والسلاح.
وعلى الرغم من أن فرار الأسد وانهيار نظامه هو بمستوى خسارة استراتيجية لإيران؛ فإنه كان بمنزلة صدمة مروعة لحلفائه الشيعة، وغيرهم من اللبنانيين عموماً. فقد بدا في حينه أن منظومة كاملة من المصالح والتحالفات والشراكات قد انهارت (اللبنانية الشيعية خصوصاً)؛ إذ ردد أعضاؤها في الأشهر الأولى على تغيير هوية الحكم في دمشق، فرضية أن الحكام الإسلاميين الجدد لسوريا لن يصمدوا طويلاً، وأن مصيرهم سيكون السقوط؛ وعليه، ستعود سوريا إلى سابق عهودها من الانقلابات العسكرية المتلاحقة التي تستأصل ذلك الانقلاب الإسلامي المنافي للطبيعة السورية وللمنطق العربي والدولي؛ إلا أن الوقائع التالية برهنت العكس تماماً. لكن تلك الصدمة التي هزت أركان "حزب الله" من الداخل، كانت بمنزلة رجع الصدى للضربة المدمرة التي تلقاها مسبقاً في حربه مع إسرائيل، قبل فرار الأسد بأشهر قليلة. وقيل يومها جزافاً، إن بشار لم يكن ليهرب، لو لم يشهد مقتل نصر الله وقيادات حزبه في تلك الحرب التي لا تزال مستمرة، وهي تطارد الحزب وجمهوره بشكل يومي، وتعطي الجميع في لبنان وسوريا مبرراً إضافياً لعدم فتح ذلك الملف الشائك والمعقد: التورط في الحرب السورية، وما إذا سيكون عقبة (شيعية-علوية مشتركة!) أمام أي مصالحة مرتقبة بين البلدين والشعبين.
إن الحاكم الجديد لدمشق، الرئيس أحمد الشرع، قال في آب/أغسطس عام 2025 إنه "تنازل" عن حقه في ملاحقة "حزب الله" على تورطه في الحرب السورية؛ سعياً إلى بناء علاقات سليمة بين الدولتين. وهو كلام عاقل ومرحلي، لا يلغي الحق اللبناني قبل السوري في محاكمة الحزب على ذلك التورط، وفي تصفية رواسب ذلك الماضي القاسي الذي توج عقوداً من التاريخ المؤذي الذي كتبه نظام الأسد مع لبنان، وحصل فيه على مغانم مجزية؛ أهمها تلك الفرقة العسكرية اللبنانية التي قاتلت معه حتى الرمق الأخير. ولعل من مصلحة لبنان، قبل مصلحة سوريا، أن يحاسب الحزب على تلك الخطيئة، كمدخل لمحاسبة الأسد على غزوته اللبنانية كلها. والمحاسبة شأن لبناني خاص، أكثر مما هي شأن ثنائي يربط البلدين أو يفرق بينهما. والمحاسبة المقصودة لا يراد منها وضع "حزب الله" في القفص؛ بل جره إلى النقاش من أجل الاعتراف أولاً بالخطيئة السورية التي لا تغتفر، والتي لا تمحو تاريخه المقاوم قبل عام 2000؛ عندما تمكن من تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي الأول من دون قيد أو شرط. إن تنقية الذاكرة اللبنانية والسورية من تلك الحقبة ضرورة ملحة، بوصفها جزءاً من عملية تصفية رواسب الماضي، وتضميد جراحاته العميقة؛ حتى لا يتكرر بأي حال من الأحوال؛ مهما اختلفت الأنظمة والأحزاب في بيروت ودمشق.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة