فجوة أسعار الذهب في سوريا: استياء شعبي وتبريرات متضاربة بين الصاغة والجهات الرسمية


هذا الخبر بعنوان "تبريرات من الصاغة والرقابة.. فجوة أسعار الذهب تثير الاستياء" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق الذهب العالمية تقلبات حادة وصعودًا تاريخيًا، بينما يواجه المواطن السوري حيرة متزايدة أمام ظاهرة تباين أسعار الذهب محليًا. ففي الوقت الذي ترتفع فيه الأسعار المحلية بسرعة عند صعود الذهب عالميًا، يلاحظ تباطؤ كبير في انخفاضها عند هبوط "الشاشة" العالمية. هذه الفجوة السعرية، التي تتجاوز مجرد الأرقام، تحولت إلى مصدر معاناة يومية في صالات بيع الذهب، حيث يتساءل الناس عن سبب هذا التباين الواضح، وعن امتناع بعض الصاغة عن البيع في أوقات معينة.
تلاعب وامتناع عن البيع: شهادات المواطنين تكشف الممارسات
تتوالى قصص المواطنين التي تكشف عن ممارسات في سوق الذهب السوري تبدو وكأنها تعمل بقواعد غير متوازنة، مما يزيد من أعباء المواطن في ظل أزمة اقتصادية خانقة. جمعت "عنب بلدي" شهادات عدة تصف هذه المعاناة. تروي أميرة، من سكان مدينة حلب، تجربتها قائلة: "نذهب لنشتري الذهب فيحسبونه وفق السعر المحلي أغلى من السعر العالمي، وعندما نريد البيع يحسبونه وفق السعر العالمي". هذه الممارسة، التي يصفها المواطنون بـ"الاحتكار"، تحرمهم من الحصول على قيمة عادلة لمدخراتهم أو مشترياتهم من الذهب.
من جانبها، تسلط نسرين شيخ، من سكان مدينة طرطوس، الضوء على ممارسات أخرى، مشيرة إلى أن "الصياغ يبيعون الذهب المستعمل المتهالك في اللاذقية بسعر الجديد، ودون كتابة سعر الغرام على الفاتورة". وأضافت نسرين أن بعض الصاغة يمتنعون عن إعطاء "ورقة الصياغة" بحجة وجود ضريبة عليها، مما يحرم المشتري من إثبات ملكيته وسعر شرائه، ويفتح الباب أمام الغش وعدم المحاسبة.
كما تُظهر شهادات أخرى امتناع الصاغة عن البيع عند حدوث ارتفاع مفاجئ في الأسعار. إحدى السيدات، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها، ذكرت أنها "أرادت شراء ليرة ذهبية، فوضع الصائغ سعرًا مبالغًا فيه بشكل كبير عن السوق المحلي، وعندما طلبت منه تخفيف السعر غضب وقال: ليس عندي ذهب للبيع". سيدة أخرى روت أنها "باعت بيتًا من إرث، وكانت تود شراء طوق ذهب بتلك النقود، فرفض الصائغ بيعه بسبب ارتفاع سعر الذهب وعدم استقراره وقتها".
وقدم ياسر، من سكان مدينة دمشق، مثالًا رقميًا دقيقًا يوضح مشكلات التعامل في سوق الصاغة. قال ياسر: "اشتريت ذهبًا قبل فترة، كان سعر الأونصة عالميًا 4900 دولار قبل الارتفاع، وسعر الغرام عيار 21 كان 136 دولارًا. واليوم سعر الأونصة أيضًا 4900 دولار، ولكن سعر الغرام أصبح 145 دولارًا، وفرق البيع عن الشراء خمسة دولارات ليصبح 150 دولارًا للغرام". وعندما سأل ياسر الصائغ عن السبب، كان رده: "هذا تحوط منا بسبب تقلبات السعر والخوف من صعوده فجأة"، مبررًا ذلك بأن "شركات التعدين المستورد منها لا تثبت معهم السعر، قائلين إنه هذا ليس في سوريا فقط، بل في مصر ولبنان وتركيا أيضًا".
غياب الرقابة: جمعية الصاغة بين حماية المهنة وحماية المستهلك
يلخص عبد الله، من سكان دمشق، المشكلة في غياب الرقابة الفعالة، مشيرًا إلى أن "في حال أردنا التقدم بشكوى بشأن أسعار الذهب، فإن الجهة المعنية ستكون جمعية الصاغة نفسها، وهي التي تحدد الأسعار التي نشتكي منها". من جهته، أكد علي الزين من دمشق أن "التلاعب يتم علنًا، فالجمعية هي لحماية الصاغة الذين هم بالأصل يقومون بوضع أسعار فوق التسعيرة الرسمية. عندما يرتفع الذهب عالميًا، يرفعون السعر تلقائيًا، وعندما يهبط عالميًا لا ينزلون السعر إلا بعد يومين أو أكثر. وما يزيد المشكلة أنهم يأخذون 300 ألف ليرة سورية على الغرام صياغة دون أي رقابة".
وجهة نظر الصاغة: قيود التوريد والتحوط المالي
في المقابل، يقدم الصاغة رواية مختلفة لتبرير فجوة الأسعار، تركز على التحديات اللوجستية والاقتصادية التي يواجهونها. يوضح الصائغ إحسان الزهري، من حلب، أن السعر المحلي لا يتبع "الشاشة" العالمية بشكل آلي ومجرد، فالذهب الذي يدخل السوق المحلي يحمل "زيادة ثابتة عالميًا" في مراكز التوريد مثل دبي وتركيا وكردستان، تقدر بـ5000 دولار لكل كيلو ذهب خام عيار 24. وأشار الزهري إلى التكاليف اللوجستية الباهظة بسبب صعوبة الطرق وغياب الاستيراد الرسمي المباشر، حيث يكلف إيصال كيلو الذهب المصاغ من تركيا إلى الداخل السوري حوالي 1500 دولار كأجور طريق وتأمين. كما أن الورشات المصنعة تتقاضى أجورًا ثابتة (مصنعية) مقابل سك الأونصات والسبائك.
وأكد الزهري أن الصائغ "منفذ" وليس "مقررًا" للأسعار، فهو ملتزم حرفيًا بالتسعيرة التي تصدرها جمعية الصاغة، والتي يتم تحديثها لحظيًا عبر منصات متخصصة لضمان توحيد السعر في كل المحافظات. ويفسر ظاهرة الامتناع عن البيع لبعض الصاغة بأنها "إجراء وقائي" لحماية رأس المال، فعند حدوث قفزات سعرية سريعة، يخشى الصائغ البيع بالسعر القديم لأنه لن يتمكن من استعاضة نفس وزن الذهب بالسعر الجديد.
صائغ آخر من دمشق (فضل عدم نشر اسمه)، أضاف بُعدًا آخر للتفسير، مشيرًا إلى أن "من يقوم بتسعير سعر الغرام هي جمعية الصاغة. وبالنسبة للفرق بين السعر العالمي والمحلي، فالسبب هو الطلب المحلي الكبير للذهب، وأيضًا شركات التعدين العالمية أوقفت توريد الذهب حاليًا بسبب تقلبات الأسعار". ويرى أن من الطبيعي أن تكون هناك فجوة وفرق بالسعر، إذ "كيف نبيع الذهب ونحن لا نضمن تعويضه من الجهة المستوردة بسعر مناسب".
التحليل الرسمي: "مسافة أمان" وتكاليف إجبارية
من جانبه، فسر المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، مصعب الأسود، فجوة الأسعار، موضحًا أن عدم الاستقرار العالمي يفرض إجراءات "حماية" استثنائية. وأوضح الأسود مفهوم "إجراءات الحماية الزائدة"، مشيرًا إلى أن الذهب قد يشهد تذبذبات عالمية تصل إلى عشرة دولارات صعودًا وهبوطًا في يوم واحد. في هذه الحالة من عدم الاستقرار، يضع أي بائع "مسافة أمان" في التسعير لحماية رأس ماله من الانهيارات المفاجئة. هذا التحوط يعود بالفائدة على المواطن أيضًا عند البيع، حيث يلتزم الصائغ بشراء الذهب من المواطنين بسعر أعلى من العالمي بهامش ثلاثة إلى أربعة دولارات، "لامتصاص حالة التخبط الحالية"، بحسب المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة.
وكشف الأسود عن مصطلح تقني هو "التكليف"، موضحًا أن معظم الذهب المتوفر حاليًا في سوريا يُستورد من الإمارات، ما يفرض زيادة ثابتة وإجبارية (نحو ستة دولارات) فوق سعر الشاشة العالمي لكل غرام. هذه التكلفة يفرضها الموردون الخارجيون، و"لا يد للصائغ المحلي فيها". وانتقد الأسود ما وصفه بـ"فقاعة الطلب"، حيث يندفع المستهلكون للشراء الجماعي بمجرد بدء الارتفاع، وهو سلوك يؤدي إلى زيادة الأسعار محليًا بعيدًا عن المنطق العالمي. وحذر من الاعتماد الكلي على أسعار "جوجل"، مؤكدًا أن لكل سوق خصوصيته وقوانين العرض والطلب التي تحكمه. "الاندفاع الجنوني نحو الشراء هو ما يخلق الفقاعة. الهدوء والتريث هما المفتاح لتقليص الفجوة السعرية"، بحسب الأسود. وشدد على أن الهيئة تتعامل بحزم مع أي شكوى موثقة تصل عبر جمعيات الصاغة، سواء كانت تتعلق بالغبن أو الغش أو عدم الالتزام بالتسعيرة الرسمية، مؤكدًا، "لن نتهاون في محاسبة أي صائغ يثبت تورطه في استغلال المواطن".
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة