رحلة العنف في المجتمع السوري: من الحوادث النادرة إلى القمع المنظم والصراع المتبادل


هذا الخبر بعنوان "كيف وصلنا إلى كل هذا العنف؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتساءل خطيب بدلة، اليوم، كل من يرقب العنف المتفشي في المجتمع السوري: هل هو ظاهرة طارئة أم متجذرة؟ ويرى أن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب منظور شخص متقدم في العمر، ككاتب هذه السطور، ممن عايش ماضي المجتمع ويشهد حاضره.
يستذكر الكاتب أن بلدته الصغيرة، معرة مصرين، كانت تحتفظ بذكرى مقتل شخص واحد قبل زمن بعيد، لدرجة أن أهلها كانوا يؤرخون بهذا الحدث، فتقول إحداهن: "ولدت ابني يوم انقتل فلان". وعند سؤال كبار السن عن تفاصيل الحادثة، كانت الإجابات تشير إلى فتنة وفوضى أدت إلى مقتل شخص لم يكن طرفًا في الاقتتال، مما يوحي بقتله بالخطأ. تتشابه هذه الرواية مع حكايات متداولة في مدن وبلدات أخرى عن حوادث قتل قديمة نادرة، حتى أن ذاكرة بعض القرى كانت تخلو تمامًا من أي حادثة عنف.
لكن المؤسف أن العنف أخذ لاحقًا طابعًا سياسيًا، فمنذ مطلع الخمسينيات، بدأت تظهر صراعات بين التيارات السياسية المختلفة، والتي تجلت في انقلابات عسكرية، بعضها أدى إلى سقوط قتلى، وبعضها الآخر كان يُعرف بـ"الانقلاب الأبيض". ومع بداية الستينيات، تصاعد العنف بشكل ملحوظ نتيجة الصراعات السياسية بين البعثيين والناصريين، وبين البعثيين والشيوعيين، وبين البعثيين والإخوان المسلمين. ويذكر الكاتب حضوره شخصيًا لمشاجرات عنيفة بين هذه الفئات، استخدمت فيها عصي اللافتات والقضبان وأحزمة البنطلونات والجنازير. وفي هذه الفترة، بدأت السلطة الحاكمة تمارس العنف داخل المؤسسات الأمنية.
في البداية، كانت العقوبات بسيطة نسبيًا؛ فخلال فترة الوحدة مع مصر، كان "المكتب الثاني" يعتقل الشيوعيين والإخوان المسلمين لفترات قصيرة، ويُمارس التعذيب بالفلقة العادية أو الدولاب. ومع حكم البعث، شهدت بعض المدن دخول الدبابات وعربات الجنود وقصف بعض المساجد. لكن كل ذلك كان مجرد بوادر للعنف المنظم الذي أرساه نظام حافظ الأسد، حيث أصبح المعتقلون الجدد في عهده يسخرون من تجارب المعتقلين السابقين، قائلين: "أكلت لك كفين في المكتب الثاني أيام الوحدة، جاي هلق تحكي لنا عن نضالك اللي بيهوي؟ تعال تفرج عالتعذيب اللي بيخلي الواحد يتمنى الموت وما يلاقيه."
ومع ذلك، فإن العنف المخابراتي الذي مارسه نظام الأسد على المعتقلين قبل عملية مدرسة المدفعية في 16 حزيران 1979، كان أقل بكثير من العنف الذي تفجر بعد هذا التاريخ. في هذه المرحلة، لم يعد العنف مقتصرًا على السلطة، بل أصبح متبادلًا؛ فقد بدأت "الطليعة المقاتلة"، الجناح العسكري لتنظيم الإخوان المسلمين، باغتيال شخصيات سياسية وعسكرية وأمنية، وبلغت أعمالها ذروتها بعملية المدفعية، وتجلت لاحقًا في أحداث حماة عام 1982. أما القمع الذي انتهجه نظام الأسد، فقد بدأ مدروسًا ومقننًا، ثم انفلت من عقاله ليتحول إلى مجازر تُرتكب في وضح النهار. ويختتم الكاتب ملاحظته بأنهم كانوا يؤرخون سابقًا بمقتل شخص واحد، بينما أصبحوا اليوم يؤرخون بالمجازر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة