أكوام القمامة تغزو الحسكة: مبادرات أهلية تصطدم بشلل البلديات وتفاقم المخاوف الصحية والأمنية


هذا الخبر بعنوان "الحسكة تغرق في “جبال القمامة”.. مبادرات أهلية تصطدم بالعجز" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتحول شوارع مدينة الحسكة تدريجياً إلى مكبات نفايات مفتوحة، في ظل غياب شبه كامل لآليات البلديات التابعة لـ”الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا. لا يقتصر هذا المشهد على تهديد الصحة العامة فحسب، بل يعكس شللاً خدمياً عميقاً تزامن مع صمت رسمي، وتوقف عمليات ترحيل القمامة عقب المواجهات العسكرية الأخيرة بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). وقد دفع هذا الوضع الأهالي إلى إطلاق صرخات استغاثة ومبادرات محدودة، لكنها اصطدمت بواقع الآليات المعطلة والمخاوف الأمنية المتزايدة.
أحياء منسية.. الروائح والأمراض تطارد السكان
في جولة داخل أحياء المدينة، ولا سيما الجنوبية والشرقية منها، لم تعد أكوام القمامة مجرد تجمعات صغيرة على الأرصفة، بل تحولت إلى تلال تنبعث منها روائح كريهة وتجذب الحشرات والقوارض. وقد أثار هذا الواقع مخاوف الأهالي من انتشار الأمراض الجلدية والمعوية، خاصة مع التقلبات الجوية.
وقالت “أم خلف”، إحدى سكان حي غويران، لعنب بلدي، إنه لم تدخل سيارة بلدية واحدة إلى حارتها منذ أكثر من 15 يوماً. وأضافت “أم خلف”: “القمامة وصلت إلى أبواب المنازل، والأطفال لم يعودوا قادرين على اللعب في الخارج”، متابعةً: “نعيش في سجن من القاذورات، ولا أحد يخبرنا متى ستنتهي هذه الأزمة”. ويحاول الأهالي حرق بعض النفايات للتخلص منها، لكن الدخان الكثيف تسبب بحالات ضيق تنفس لدى كبار السن، ما وضعهم أمام خيارين “أحلاهما مر”.
مبادرات شبابية في مواجهة العجز
أمام هذا التراخي المؤسساتي، أطلق شبان وناشطون من أبناء المدينة حملات عبر منصات التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات وتأمين آليات خاصة لترحيل النفايات، وذلك بجهود تطوعية. ويروي (ف.ع)، وهو أحد الناشطين الشباب الذين قادوا حملة نظافة في الأحياء الجنوبية، لعنب بلدي، أن المبادرة تهدف إلى ترحيل أكوام النفايات من حي غويران جنوبي الحسكة. وقال الناشط: “وجدنا استجابة سريعة، إذ تبرع أصحاب عدد من سيارات النقل (القلابات) بترحيل النفايات إلى خارج المدينة”.
لكن هذه الجهود اصطدمت بواقع تقني وأمني معقد، إذ لم يتمكن الفريق المشارك من توفير جرافة (تركس)، وعندما توجه إلى مرآب البلدية، وجد الآليات معطلة. وأضاف الناشط: “اضطررنا للبحث عن جرافة خاصة لتحميل النفايات مقابل أجر محدد، لكن أصحابها يرفضون العمل خوفاً على سلامتهم في ظل الأوضاع الأمنية المتردية”.
أزمة لوجستية أم إهمال إداري؟
تتذرع الجهات الخدمية التابعة لـ”الإدارة الذاتية” أحياناً بنقص المحروقات أو تعطل الآليات، إلا أن غياب أي توضيح رسمي حول أسباب التوقف شبه الكامل لعمليات الترحيل في بعض الأحياء يثير استياء السكان. وأشار الناشط المدني “أحمد” (اسم مستعار لأسباب أمنية)، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن الأزمة تتجاوز الأعطال التقنية، فـ”المشكلة ليست مجرد عطل في جرافة أو نقص وقود، بل سوء إدارة للموارد”. وأوضح أن الضرائب تُجبى من المحال التجارية والسكان بانتظام تحت مسمى الخدمات، لكن عند الحاجة نجد الآليات مهترئة والمرائب شبه خالية.
تداعيات بيئية وصحية
يحذر أطباء في مدينة الحسكة من استمرار تراكم النفايات في الأحياء السكنية المكتظة، لما يسببه من تلوث بيئي، إضافة إلى كونه بيئة مناسبة لتكاثر “ذبابة الرمل” المسببة لمرض اللاشمانيا، الذي سجلت المنطقة معدلات إصابة مرتفعة به في سنوات سابقة. كما يؤدي انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسبب القمامة إلى خطر غرق الأحياء في حال هطول أمطار غزيرة، ما قد يحول الشوارع إلى مستنقعات من الأوحال الملوثة ويضاعف حجم الكارثة البيئية.
صرخة للمستقبل
ورغم أهمية المبادرات الأهلية، تبقى حلولاً مؤقتة لا يمكنها تعويض دور الجهات المسؤولة عن إدارة مدينة بحجم الحسكة، في وقت ينتظر فيه الأهالي تحركاً فعلياً يتجاوز الوعود الشفهية، ويشمل إصلاح الآليات وتأمين الحماية اللازمة لفرق العمل، قبل أن تتحول أزمة النفايات إلى كارثة صحية خارجة عن السيطرة.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة