الحسكة تحت وطأة حظر التجوال: مرضى عالقون، أسواق مشلولة، واستغلال تجاري يفاقم الأزمة


هذا الخبر بعنوان "ليل الحسكة.. مرضى عالقون وأسواق مشلولة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحولت شوارع مدينة الحسكة وريفها، الواقعة تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، إلى مناطق مهجورة يلفها صمت مطبق مع حلول الساعة السادسة مساءً. هذا الهدوء لا يعكس سكينة، بل هو نتيجة حظر تجوال صارم فرضته “قسد” وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة لها. يأتي هذا الإجراء على خلفية التوترات العسكرية والأمنية الأخيرة في المنطقة، ويمتد الحظر لمدة 12 ساعة يوميًا، من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا. لم يقتصر تأثيره على تقييد حركة المدنيين فحسب، بل تحول إلى عبء ثقيل يهدد حياة المرضى ويستنزف دخول الفئات الأشد فقرًا، خاصة في ظل غياب آليات واضحة للتعامل مع الحالات الإنسانية الطارئة، وارتفاع أسعار المواد الأساسية نتيجة الإغلاق المستمر وعدم استقرار خطوط التماس.
ليل الحسكة: صراع بين المرض والحواجز
يعيش أهالي الحسكة حالة قلق متواصلة مع اقتراب غروب الشمس، فالمخاوف لا تقتصر على احتمال اندلاع اشتباكات، بل تمتد إلى هاجس التعرض لحالة طبية طارئة في وقت يُمنع فيه التنقل. روى مواطن من سكان حي العمران في مدينة الحسكة، لموقع عنب بلدي، أن ابنه أصيب الليلة الماضية بنوبة ضيق تنفس حادة، لكنه لم يتمكن من إسعافه. وقال المواطن: “شعرت بالعجز التام، فالساعة كانت العاشرة ليلًا، والشوارع خالية تمامًا إلا من دوريات أسايش (الأمن الداخلي). لم نكن نعرف إن كنا سنخرج ونتعرض لإطلاق نار أو توقيف، أم ننتظر الصباح ونخاطر بحياة الطفل”. وأضاف أن “لا توجد توجيهات واضحة، فالحواجز لا تملك تعليمات محددة للتعامل مع الحالات الإسعافية. بعض العناصر يسمحون بالمرور بعد تفتيش واستجواب طويلين، بينما يرفض آخرون ذلك بشكل قاطع. نحن بحاجة إلى ممرات آمنة أو أرقام طوارئ فعالة تستجيب فورًا”. هذه المعاناة لا تقتصر على حالات فردية، بل تشمل مئات العائلات، ولا سيما المرضى المصابين بأمراض مزمنة كالفشل الكلوي أو أمراض القلب، الذين قد يحتاجون إلى نقل عاجل إلى المستشفيات. وقد أسهم غياب التنسيق بين المراكز الطبية والقوى الأمنية المشرفة على الحظر في تعميق فجوة يدفع المدنيون ثمنها من صحتهم وسلامتهم.
غلاء فاحش وتجار “الأزمات”
بالتوازي مع الأزمة الصحية، ألقى الحظر والتوتر العسكري بظلالهما على الأسواق المحلية. فمدينة الحسكة، التي تعاني أصلًا من تراجع القدرة الشرائية، واجهت موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. وتشتكي “أم خالد”، وهي ربة منزل من ريف الحسكة الشمالي، من الزيادة الكبيرة في أسعار الخضراوات والمواد الغذائية، قائلة لعنب بلدي: “بمجرد إعلان الحظر وتصاعد التوتر مع قوات الحكومة، ارتفعت الأسعار فورًا. تضاعف سعر كيلو البندورة أو البطاطا خلال يومين، بحجة صعوبة وصول الشاحنات وإغلاق الطرق”. وترى “أم خالد” أن غياب الرقابة التموينية من قبل “الإدارة الذاتية” أتاح لبعض التجار استغلال الظروف الراهنة، عبر تكديس البضائع ورفع أسعارها. وأضافت أن الإغلاق المبكر للمحال عند السادسة مساءً قلّص فرص التسوق، ورفع الضغط على الأسواق صباحًا، ما زاد الطلب ومنح التجار مبررًا إضافيًا لرفع الأسعار.
سياق التوتر: خطوط تماس غير مستقرة
تأتي هذه الإجراءات الأمنية في ظل واقع ميداني معقد تشهده محافظة الحسكة، إذ أدت الاشتباكات الأخيرة بين “قسد” وقوات الحكومة السورية، والتي توقفت قرب المدينة، إلى حالة استنفار أمني واسع، وسط تحركات عسكرية متبادلة على خطوط التماس. ويأتي ذلك رغم الإعلان عن اتفاق في 30 من كانون الثاني بين الحكومة السورية و“قسد”، إلا أن الاضطراب الأمني دفع الأخيرة إلى فرض الحظر كإجراء احترازي لمنع أي اختراقات محتملة، بينما بدأ تطبيق بنود الاتفاق. هذه الإجراءات، رغم دوافعها الأمنية، انعكست سلبًا على حياة الأهالي اليومية، إذ أدى الإغلاق المستمر للطرق والمنافذ التجارية إلى تعطل سلاسل التوريد، ما أثر مباشرة على توفر السلع الأساسية وأسعارها.
غياب “خطة طوارئ” إنسانية
يرى الحقوقي “ن.ص” من الحسكة، أن المشكلة لا تكمن في حظر التجوال بحد ذاته، بل في “عشوائية تطبيقه”. وأوضح أن المناطق التي تفرض إجراءات مماثلة تعتمد عادة استثناء الأطقم الطبية، وتوفر سيارات إسعاف، وتحدد مسارات واضحة للحالات الحرجة. لكن في الحسكة، طغى الهاجس الأمني على الاعتبارات الإنسانية، بحسب الحقوقي، إذ يفتقر الأهالي إلى تصاريح تنقل ليلية أو قنوات تواصل فعالة مع الحواجز المنتشرة في المدينة وريفها. وأضاف أن امتداد الحظر 12 ساعة، بدءًا من السادسة مساء، يقطع الحركة الاجتماعية والتجارية في وقت لا يزال فيه كثير من العمال وأصحاب المهن في طريق عودتهم إلى منازلهم، ما يعرضهم لمضايقات أو توقيفات.
مطالب بإجراءات بديلة
في ظل هذه الأوضاع، تتزايد مطالب الأهالي في الحسكة بإعادة النظر في توقيت الحظر وآليات تطبيقه، وتشمل: تأخير بدء الحظر لإتاحة هامش أوسع للحركة التجارية، إصدار تعليمات واضحة للحواجز لتسهيل مرور الحالات الطبية الطارئة، تفعيل الرقابة التموينية للحد من استغلال التجار وارتفاع الأسعار، وتأمين خطوط طوارئ تعمل على مدار الساعة لخدمة المدنيين في الحالات الحرجة. وكانت الحكومة السورية و“قسد” قد أعلنتا، في 30 من كانون الثاني الماضي، التوصل إلى اتفاق يهدف إلى خفض التصعيد وتنظيم الجوانب الأمنية والإدارية في محافظة الحسكة، إلا أن الأوضاع الميدانية ما زالت تشهد توترًا متقطعًا في بعض المناطق.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي